انتهت رسميا الطبعة الثانية والثلاثون من الألعاب الأولمبية الصيفية طوكيو 2020، المؤجلة بسنة كاملة عن موعدها الرسمي، بسبب الأزمة الصحية العالمية التي فرضها وباء كوفيد 19.
دورةٌ كانت استثنائيةً على طول الخط؛ فهي أول دورة مؤجلة منذ عودة الألعاب الأولمبية إلى الحياة من جديد سنة 1896 بأثينا، وكاد أن يطالها شبح الإلغاء لأول مرة في زمن السلم، بعدما سبق أن أُلْغِيَتْ الطبعة السادسة ببرلين 1916 بسبب الحرب العالمية الأولى، والطبعتان الثانية عشر بهلسكني 1940 والثالثة عشر بلندن 1944 نتيجة الحرب العالمية الثانية. كما أنها كانت استثنائية لأنها أول دورة أولمبية تتم دون حضور الجمهور، وكانت استثنائية لعديد الأرقام القياسية التي تم تحطيمها في عدة رياضات.
أولمبياد طوكيو كانت استثنائية كذلك من حيث النتائج التاريخية للمشاركة العربية، بحيث عرفت اعتلاء تسعة بلدان عربية منصة التتويج بمجموع ثماني عشرة ميدالية؛ خمس ذهبيات، خمس فضيات وثماني برونزيات.
المفارقة أن المشاركة العربية بقدر ما كانت الأفضل تاريخيا من حيث النتائج، إلا أن المشاركة الجزائرية مرت جانبا، بعدما خرجت بخفي حنين، وبصفر ميدالية. وليت أن الإخفاق الجزائري اقتصر على مجرد عدم الفوز بميدالية، بل امتد إلى احتلال أغلب الرياضيين الجزائريين للمراكز الأخيرة في اختصاصاتهم والإقصاء المبكر، على غرار السباحة، سباق الدراجات، الرماية، الملاكمة وبدرجة أقل المصارعة وألعاب القوى. وكانت أفضل نتيجة جزائرية في ألعاب طوكيو هي المرتبة الخامسة، سجلتها الملاكمة إيمان خليف في وزن أقل من 60 كيلوغرام، في أول مشاركة أولمبية للقفاز النسوي الجزائري، والعداء ياسر تريكي في اختصاص القفز الثلاثي.
الواقع أن التراجع الجزائري في الأولمبياد ليس وليد اليوم، بل يعود إلى عقدين من الزمن، عندما خرجت الجزائر بصفر ميدالية في ألعاب أثينا 2004، قبل أن ينقذ الجيدو المشاركة الجزائرية في بكين 2008، ببرونزية صوراية حداد وفضية عمار بن يخلف، ثم جاء الدور على العداء توفيق مخلوفي ليحفظ ماء الوجه مرتين متتاليتين، بذهبية في لندن 2012 وفضيتين في ريو دي جانيرو 2016، فكان الشجرة التي تغطي الغابة. وعندما غابت الشجرة عن طوكيو انكشفت الغابة؛ غابة الخيبة والإخفاق والفشل.
قد يلقي البعض باللوم على المسؤولين على الرياضة الجزائرية، ويوجه آخرون السهام إلى الرياضيين. غير أن المسؤولية جماعية يتحملها هؤلاء وأولئك على حد سواء.
القائمون المتعاقبون على شؤون الرياضة في بلادنا يتحملون مسؤولية غياب استراتيجية واضحة للنهوض بالقطاع، لا تخطيط ولا تكوين بعيد المدى، وربما تشكل أكاديمية بارادو لكرة القدم الإستثناء في هذا المجال. ولكي نقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، فهي نقطة تُحْسَبُ لخير الدين زطشي، بغض النظر عن الجدل الذي صاحب فترة رئاسته الإتحاد الجزائري لكرة القدم. ما عدا ذلك، نكاد نسجل غياب مركز تكوين أو أكاديمية مختصة، مع أن أغلب البلدان الفائزة جنت ثمار التكوين بعيد المدى. ودون إعطاء المثال بالقوى الرياضية الكبرى؛ كالولايات المتحدة، الصين، روسيا، اليابان، بريطانيا وفرنسا، بل نأخذه من الأشقاء، الذين تألقوا في بلاد الشمس المشرقة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، دولة قطر حصدت الذهب الأولمبي لأول مرة في تاريخها، وفي مناسبتين، الأولى مع الرباع فارس إبراهيم، ثم العداء معتز برشم في اليوم الموالي في اختصاص القفز العالي، إلى جانب الميدالية البرونزية في الكرة الطائرة الشاطئية رجال، لتحصد نتائج التكوين المنتهج في أكاديمية “أسباير”.
قبل عشر سنوات نظمت قطر نفسها الطبعة الثانية عشر للألعاب العربية، وكانت المشاركة الجزائرية فيها مخيبة باحتلالها المركز الخامس في ترتيب الميداليات، بعد مصر، تونس، المغرب وقطر، بمجموع ثمان وثمانين ميدالية، وبفارق مائة وخمس وأربعين ميدالية عن مصر صاحبة المركز الأول، وخمسين ميدالية عن تونس صاحبة المركز الثاني. يومها أطلق رئيس الوفد الجزائري المشارك في الألعاب تصريحا لا يمكن إلا أن يُصَنَّفَ في خانة عذر أقبح من ذنب، أو عذر من لا عذر له، مفاده أن “تداعيات العشرية السوداء هي سبب تراجع نتائج الرياضة الجزائرية”. رغم أن الجزائر كانت قد مضى على خروجها من تلك العشرية الدموية عقد كامل من الزمن. ورغم أن الجزائر عرفت أفضل مشاركاتها في الألعاب الأولمبية في تلك العشرية؛ ففي برشلونة 1992 أحرزت أول ميدالية ذهبية في تاريخها بفضل العداءة حسيبة بولمرقة، إلى جانب ميدالية برونزية في الفن النبيل مع المرحوم حسين سلطاني. وفي أطلانطا 1996 سجلت أفضل مشاركة نوعية بذهبيتين مع العداء نور الدين مرسلي والملاكم حسين سلطاني، وبرونزية مع الملاكم محمد بحاري. وازداد العدد في سيدني 2000، بخمس ميداليات؛ ذهبية، فضية وثلاث برونزيات احتلت بها الجزائر المركز الأول عربيا. ما يدحض أي تحجج في تراجع النتائج بالعشرية السوداء، التي مر على نهايتها عقدان كاملان دون أن نضع استراتيجية واضحة للتكوين الرياضي.
الرياضيون المشاركون في ألعاب طوكيو هم بدورهم لا تخلو مسؤوليتهم من الإخفاق. ولا يمكن التحجج بجائحة كورونا، التي أثرت على الجميع، ورغم ذلك شهدنا أرقاما قياسية حُطِّمَتْ في طوكيو. فيما خرج أغلب رياضيينا من المنافسة مبكرا، متذيلين الترتيب في مختلف اختصاصاتهم، على غرار السباحة التي حل فيها أسامة سحنون وأمال مليح المرتبة الأخيرة في سباقي 50 و100 متر سباحة حرة، والمصير نفسه لسعاد شرواطي في سباق 10 كيلومتر. الأمر ذاته تكرر في معظم الإختصاصات، بما فيها القفاز الجزائري الذي لطالما أهدى الجزائر ميداليات في السابق، قبل أن يغيب منذ إحدى وعشرين سنة عن منصة التتويج.
لا يمكن أيضا التحجج بنقص الخبرة، عندما نرى رياضيين شباب لا تتعدى أعمارهم 18 سنة حصدوا المعدن النفيس، في صورة السباح التونسي أحمد الحفناوي، أو الصيني شنغ ليهاو البالغ من العمر 16 سنة، والحاصل على الميدالية الفضية في مسابقة الرماية بالبندقية الهوائية لمسافة 10 أمتار.
ولا يمكن كذلك التذرع بنقص الإمكانيات، عندما نرى رياضيين تحدوا ظروف الحرب وشاركوا بإمكانياتهم الذاتية في صورة الرباع السوري معن أسعد الذي أهدى بلاده ميدالية برونزية.
دورة أولمبية للنسيان بالنسبة للرياضة الجزائرية وجب استخلاص العبر والدروس منها تحسبا لقادم المواعيد، حتى لا يتكرر نفس السيناريو كل مرة، ولا يتم التراشق وتبادل التهم بين هذا الطرف وذاك.
وليد غرايبية
