الاقتصاد الجزائري.. قراءة في أحدث التقارير الدولية

بقلم : مراد شبين

من خانة “الاقتصادات التقليدية” المرتهنة لتقلبات أسعار النفط، انتقلت النبرة في مطلع عام 2026 إلى خانة الاقتصادات الواعدة.
لغة الأرقام الصادرة عن صندوق النقد والبنك الدوليين تحولت في آخر تقاريرها عن الجزائر، لتتحدث عن “واقعية اقتصادية” جديدة فرضت نفسها على الطاولة.
النظرة الإيجابية، من مؤسسات معروفة بحزمها المثير للقلق أحيانا، لم تتحفظ هذه المرة في إصدار ما يبدو شهادة استحقاق مهنية تُخرج الجزائر رسمياً من دائرة الاقتصادات الريعية لتدفع بها إلى نادي القوى الصاعدة إقليمياً.
وتعزز هذه الشهادات ثقة الشركاء الكبار في قدرة البلاد على حماية استقرارها المالي دون الحاجة لمديونية خارجية، مما يحولها من مجرد “سوق استهلاكية” إلى “شريك إنتاجي” موثوق.
ومع أن ثمار أي اقتصاد تتطلب وقتا لتنعكس على الواقع اليومي، إلا أن تقارير هذه الهيئات الدولية تظل مبشرة و ذات مصداقية عالية، و تستمد تلك المصداقية من كونها لم تعد تبني توقعاتها على الوعود، بل على مبررات هيكلية ملموسة رصدها الخبراء ميدانياً؛ فالقفزة التي سجلها الناتج المحلي الإجمالي لتتجاوز عتبة 285 مليار دولار ليست مجرد مناورة إحصائية، بل هي نتاج عملية جريئة وشاملة لإعادة تقييم الحسابات القومية ودمج قطاعات إنتاجية ضخمة في الفلاحة والصناعة والخدمات.
وهي قطاعات كانت لسنوات طويلة بعيداً عن أعين الرصد الرسمي.
إن ما أقنع المحللين الدوليين بجدية المسار الجزائري هو “المناعة المالية” النادرة في المشهد العالمي الحالي؛ ففي وقت تعاني فيه معظم الاقتصادات الناشئة من ثقل الديون وفوائدها، تبرز الجزائر كدولة انفردت بمديونية خارجية شبه معدومة وباحتياطيات صرف صلبة تغطي احتياجات البلاد لأكثر من عامين من الواردات، مما يمنح القرار الاقتصادي الوطني استقلالية تامة وهامشاً واسعاً للمناورة والنمو.
علاوة على ذلك، يرتكز تفاؤل الهيئات الدولية على التحول الملموس في بنية التجارة الخارجية؛ حيث رصدت التقارير نمواً مطرداً وغير مسبوق في الصادرات خارج قطاع المحروقات، مدفوعاً بقاعدة صناعية ناشئة في قطاعات الحديد والصلب، والأسمنت، والأسمدة الكيماوية التي باتت تفرض وجودها في الأسواق الأوروبية والإفريقية.
ومع تزايد العمل باستراتيجية “التصنيع للتصدير” واعتماد إصلاحات تشريعية محفزة، شملت رقمنة شاملة للمنظومة المصرفية وتسهيلات لتدفق الرأسمال الأجنبي، يبدو الاقتصاد الجزائري اليوم كورشة عمل مفتوحة تتجاوز فيها الاستثمارات الحقيقية مجرد صفقات الورق.
إن هذا التكامل بين الاستقرار المالي السيادي، وتنوع الإنتاج، والانفتاح المدروس، هو المحرك الحقيقي لثقة المؤسسات الدولية التي باتت ترى في الجزائر اليوم نموذجاً للدولة التي نجحت في تحويل مواردها الطبيعية إلى محرك لنهضة اقتصادية مستدامة، مما يجعل من عام 2026 لحظة فارقة في صياغة مستقبل الجزائر كقطب اقتصادي مركزي في حوض المتوسط والقارة الإفريقية.
وهذه مجرد انطلاقة، وليست نهاية القصة !!

مصادر:
• صندوق النقد الدولي: توقعات الناتج المحلي للجزائر 2026
• البنك الدولي: التحديث الاقتصادي للجزائر 2025-2026
• تقرير “الجزائر الآن”: المرتبة الرابعة عربياً في 2026

Exit mobile version