جزيرة الشيطان… حين يُدار العالم من غرف الانحراف الأخلاقي

بقلم جمـال بـن عـلـي

ما كشفته قضية جيفري إبستين لم يكن فضيحة أخلاقية، بل فضيحة نظام كامل. نظام لا تُصاغ فيه القرارات فقط داخل البرلمانات والمكاتب الرئاسية، بل في الجزر الخاصة والغرف المغلقة، حيث يتحول الانحراف الأخلاقي إلى أداة صامتة لترويض القرار السياسي.

إبستين لم يكن استثناءً، بل كان أداة تشغيل داخل بنية تدرك قاعدة واحدة: صانع القرار الذي سقط أخلاقيًا لم يعد سياديًا. لم تكن المسألة شهوة فردية، بل تحويل الابتزاز إلى صناعة ممنهجة تُدار على نطاق عالمي.

رجل بلا تاريخ مالي شفاف اخترق أعلى دوائر السياسة والمال والملكية، وحظي بتساهل قضائي غير مفهوم، ثم خرج من المشهد بنهاية أغلقت الأسئلة بدل أن تفتح الملفات. هذا التسلسل لا يصف صدفة، بل نمطًا متكررًا. وفي عالم الاستخبارات، الأنماط لا تكون عشوائية.

شبكات اللوبيات العابرة للحدود، ولا سيما تلك المرتبطة بالمشروع الصهيوني العالمي، لم تعد بحاجة إلى القوة أو الانقلابات لفرض توجهاتها. يكفي ملف واحد. ملف يُفتح في اللحظة المناسبة، ويُغلق مقابل الصمت أو الاصطفاف أو تمرير سياسات بعينها. هكذا يُروَّض القرار اليوم: لا بالإقناع، بل بالسيطرة على نقاط الضعف البشرية.

جزيرة الشيطان ليست مكانًا، بل منهجًا. فراغًا سياسيًا تُعلَّق فيه القوانين، وتُفرَّغ فيه الأخلاق، وتُحوَّل النخب إلى أصول قابلة للإدارة. حين تُفصل السياسة عن القيم، يصبح الانحراف شرط دخول لا نتيجة سقوط.

الأخطر أن هذه الآلية تعمل داخل أنظمة تصف نفسها بالديمقراطية. ما يعني أن الانحراف الأخلاقي لم يعد خللًا في النظام، بل إحدى أدواته. قرار يُؤجَّل، محاكمة تُخفَّف، احتلال يُبرَّر، وعدوان يُحمى، تحت سقف ملفات غير مرئية.

قضية إبستين ليست سؤالًا عن رجل واحد، بل عن كم من العمليات المشابهة ما زال بعيدًا عن الضوء، وكم من القرارات الدولية وُقّعت علنًا بينما أُمليت فعليًا في جزيرة، أو طائرة خاصة، أو غرفة مغلقة.

حين يُدار العالم بهذه الطريقة، يصبح الصمت تواطؤًا، وتغدو الحقيقة فعل مقاومة. فالقرار السياسي الذي يُصاغ تحت الابتزاز الأخلاقي لا يمكن أن يكون عادلًا، ولا يمكن أن يكون حرًا.

Exit mobile version