مايجب أن يقال بقلم: جمال بن علي
لم يعد النفط مجرد مورد اقتصادي استراتيجي، بل تحوّل إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى في النظام الدولي. وإذا كانت فنزويلا قد شكّلت ساحة اختبار لسياسات العزل وخنق الإمدادات، فإن إيران تقف اليوم في قلب مواجهة أوسع تتجاوز حدودها الإقليمية. وفي خلفية هذا المشهد يبرز هدف أكبر: احتواء الصين.
تُعدّ الصين أكبر مستورد للطاقة في العالم، وقد واصلت استيراد النفط الإيراني رغم العقوبات. بالنسبة لبكين، يمثل النفط الإيراني ميزة مزدوجة: أسعار تفضيلية نسبيًا، وإمدادات لا تخضع بالكامل للمنظومات المالية والرقابية الغربية. ومن هنا يصبح تأمين هذا المورد جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها للحفاظ على النمو الصناعي وتعزيز نفوذها الاقتصادي العالمي.
عندما أطلقت إدارة دونالد ترامب سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، كان الخطاب الرسمي يركّز على البرنامج النووي والسياسات الإقليمية لطهران. غير أن البعد الاستراتيجي الأعمق تمثل في تقليص صادرات إيران النفطية، ما يعني عمليًا تضييق هامش المناورة أمام الصين في سوق الطاقة، ورفع كلفة حصولها على مصادر مستقلة عن النفوذ الغربي.
المنطق ذاته طُبّق على فنزويلا، حيث أدت العقوبات إلى إضعاف قطاعها النفطي وتقليص قدرتها على تزويد الأسواق البديلة، وفي مقدمتها السوق الصينية. ويعكس هذا النمط توجّهًا أوسع: ممارسة الضغط على الدول المنتجة التي تتحرك خارج الفلك الغربي بهدف التأثير غير المباشر في الحسابات الاستراتيجية للصين.
تحتل إيران موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، فهي تطل على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين نقل النفط في العالم. وأي تصعيد في محيطها يؤدي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار وزيادة المخاطر في سلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصادات الكبرى المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الصين.
غير أن هذه المقاربة تنطوي على مخاطر معقدة. فإيران تمتلك أدوات ردع وشبكات علاقات إقليمية، وأي مواجهة واسعة قد تؤدي إلى اضطراب شامل في سوق الطاقة العالمي، بما يضر بمصالح جميع الأطراف. كما أن استمرار الضغوط قد يدفع نحو تعميق التعاون بين إيران والصين وقوى دولية أخرى، ما يسرّع تشكّل منظومات اقتصادية وطاقوية موازية خارج الإطار الغربي التقليدي.
في المحصلة، يتجاوز الأمر حدود إيران كدولة أو النفط كسلعة. إنه صراع حول من يتحكم في شرايين الطاقة العالمية ومن يحدد قواعد النظام الدولي القادم. من فنزويلا إلى إيران، تتكرر المعادلة ذاتها: الضغط على المورّدين للتأثير في أكبر مستورد. ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستنجح في تطويق الصين، أم أنها ستعجّل بظهور نظام طاقوي عالمي أكثر انقسامًا وتعددًا.
