ما يجب أن يقال: بقلم جمال بن علي
في الحروب الحديثة، لم تعد الصراعات تُحسم فقط في ساحات المعارك. بل تُدار بالقدر نفسه، وربما أكثر، داخل غرف الأخبار.
هناك حيث تُصاغ العناوين، وتُنتقى الكلمات بعناية، وتُحذف التفاصيل الصغيرة القادرة على تغيير المعنى العام بشكل متعمد. فمثلا سقوط الصواريخ على تل أبيب تتحول إلى شظايا و فيديوهات الإعلام الإيراني تتحول إلى تركيب بالذكاء الإصطناعي، و نفس التحاليل لدى الخبراء تتكرر، ضف إلى ذلك بيانات الصهاينة و تصريحاتهم تتحول إلى مادة رئيسية في الخط الإفتتاحي للجزيرة و العربية.و قنوات سكاي نيوز و الحدث.
في هذا السياق، يبرز الدور الذي تلعبه بعض القنوات الخليجية، ليس مجرد نقل الأحداث، بل إعادة تشكيل كيفية فهمها وتأويلها.
في تغطية العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، لم يعد الخبر مجرد منتج صحفي، بل تحول إلى سردية معاد بناؤها سياسيا.
لم تعد الأولوية للإجابة عن سؤال “ماذا حدث؟”، بل أصبحت “كيف نريد للجمهور أن يفهم ما حدث؟”.
هنا تبدأ عملية تفتيت الحقيقة إلى شظايا متناثرة، تُبث بشكل انتقائي، كل منها في توقيته، وكل منها يخدم زاوية سردية محددة.
إن تأثير الخبر لا يكمن فقط في ما يُقال، بل أيضا في ما لا يُقال.
غياب السياق، واختزال الخلفيات التاريخية، وتقديم الأحداث كوقائع معزولة، كلها أدوات تُستخدم لإعادة بناء الواقع بما يتماشى مع خط افتتاحي ضمني، غير معلن لكنه حاضر في كل تفصيلة.
ونتيجة لذلك، يُقدَّم للجمهور مشهد يبدو مكتملا، لكنه في الحقيقة مبتور بعناية.
الأكثر إثارة للقلق هو الانتقال من نقل الخبر إلى هندسة الإدراك.
اختيار الضيوف، وطريقة طرح الأسئلة، وترتيب الأولويات داخل النشرة، كلها عناصر تسهم في تشكيل “واقع إعلامي” قد يختلف بشكل كبير عن الواقع على الأرض.
وبهذا المعنى، لم تعد القناة مجرد وسيط، بل أصبحت فاعلا نشطا في الصراع، تشارك في تشكيل القوة الرمزية عبر بناء السرديات.
ما نشهده اليوم ليس مجرد انحياز إعلامي تقليدي، بل نموذج متقدم من التأطير الاستراتيجي، حيث تتقاطع السياسة مع الإعلام وتذوب الحدود بينهما.
في هذا النموذج، يصبح الخبر أداة، وتصبح السردية سلاحا، ويصبح الجمهور الهدف المباشر للتأثير.
وسط هذه المعادلة المعقدة، يبرز سؤال ملح.
هل نشهد انعكاسا للواقع، أم واقعا يُصنع ليتناسب مع خطاب معين؟
بين الحقيقة وشظاياها المتناثرة، تبقى المسؤولية النهائية على وعي المتلقي، وحده القادر على إعادة تركيب الصورة الكاملة خارج ما يُراد له أن يراه.
