أنريكو ماتيي..الرجل الذي وحد الطاقة بالحرية وصنع جسرا خالدا بين الجزائر و إيطاليا

بقلم روزي ماتّيي
في تاريخ العلاقات الدولية، نادرًا ما نجد شخصية استطاعت أن تجمع بين عبقرية الاقتصاد ونبل الموقف السياسي كما فعل إنريكو ماتيي. لم يكن مجرد مهندس للنهضة الطاقوية في إيطاليا، بل كان أيضًا صديقًا صادقًا للثورة الجزائرية في زمن كانت فيه المواقف تُقاس بتكلفتها لا بقيمتها.

في التاسع والعشرين من أفريل، تستعيد الذاكرة المتوسطية ذكرى ميلاد هذا الرجل الاستثنائي، حيث تُحيي مؤسسة إنريكو ماتيي، وعلى رأسها حفيدته السيدة روز ماتيي، حفلًا تكريميًا بمتحف إنريكو ماتيي، بحضور نخبة من الشخصيات السياسية والدبلوماسية والفنية ونجوم المجتمع، في مشهد يعكس استمرار تأثيره رغم مرور العقود، ويؤكد أن بعض الرجال يتحولون إلى ذاكرة حية لا تغيب.

لم يكن إنريكو ماتيي رجل أعمال تقليديًا، بل كان صاحب رؤية ثورية في عالم الطاقة. ففي وقت كانت فيه الشركات النفطية الكبرى تهيمن على السوق العالمية، تحدّى هذا الاحتكار وأسّس عملاق الطاقة الإيطالي إيني، ومعه شركة أجيب، واضعًا أسس استقلال القرار الطاقوي الإيطالي، ومؤكدًا أن السيادة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من السيادة السياسية.

وخلال الثورة الجزائرية، اتخذ ماتيي موقفًا جريئًا إلى جانب الشعب الجزائري، متحديًا ضغوطًا سياسية واقتصادية كبيرة، ومؤمنًا بحق الشعوب في تقرير مصيرها والسيطرة على ثرواتها. وقد ساهم، بشكل مباشر وغير مباشر، في دعم القضية الجزائرية وكسر العزلة المفروضة عليها، في وقت كان فيه هذا الموقف محفوفًا بالمخاطر.

لقد أدرك ماتيي مبكرًا أن الجزائر ليست مجرد أرض غنية بالموارد، بل أمة تناضل من أجل كرامتها، ولذلك ظل اسمه في الذاكرة الجزائرية رمزًا للصديق الوفي الذي تحرك بدافع القناعة لا المصلحة الضيقة.

واليوم، وبعد عقود من الاستقلال، لا تزال الروابط التي ساهم في بنائها قائمة بل وأكثر قوة، حيث تطورت العلاقات الجزائرية الإيطالية إلى شراكة استراتيجية متينة، خاصة في مجال الطاقة. وتُعد شركة إيني شريكًا رئيسيًا للجزائر، تعمل جنبًا إلى جنب مع سوناطراك في مشاريع كبرى تعكس عمق الثقة المتبادلة بين البلدين.

وقد أصبحت الجزائر من أبرز موردي الطاقة لإيطاليا، خصوصًا في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، في حين تستفيد من الخبرة والتكنولوجيا الإيطالية، ضمن علاقة متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

ويحمل الحفل المنظم بهذه المناسبة دلالة رمزية عميقة، إذ يجمع شخصيات دبلوماسية بارزة، من بينها سفير الجزائر بروما محمد خليفي، وقنصل روسيا بميلانو السيد ديمنتري، ومعالي شيشيولي سكايني ستودكين، وسعادة السفير برينو، في تأكيد واضح على أن إرث ماتيي لا يزال حيًا وفاعلًا.

كما يمنح حضور السيدة روز ماتيي لهذا الحدث بعدًا إنسانيًا مميزًا، حيث تواصل بروح وفاء لافتة حمل رسالة جدها، وتحافظ على إرثه كقيمة إنسانية تتجاوز حدود الزمن والجغرافيا، مع ارتباط خاص بالجزائر.

وهكذا، يبقى إنريكو ماتيي أكثر من مجرد اسم في سجل الاقتصاد، بل رمزًا لمرحلة كان فيها للموقف الإنساني وزن يوازي قوة المصالح. وبين الجزائر وإيطاليا، يظل اسمه جسرًا ممتدًا بين الماضي والمستقبل، عنوانه الدائم: الصداقة، والتعاون، والسيادة المشتركة.

Exit mobile version