في اليوم العالمي لحرية الصحافة و التعبير.. الإعلام الغربي بين المصالح وتضليل الحقيقة

مايجب أن يقال : بقلم جمال بن علي
يُقدَّم الإعلام الغربي منذ عقود على أنه النموذج الأعلى لحرية التعبير و”الصحافة المستقلة”، لكن كل أزمة دولية كبرى تكشف أن هذه الحرية كثيرًا ما تتوقف عند حدود المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. فعندما تتعارض الحقيقة مع أولويات القوى النافذة، يُعاد تشكيل الخبر، وتُنتقى الصور، وتُقصى الأصوات المخالفة، ليصبح الإعلام أداة تأثير لا وسيلة تنوير.

ما نشهده اليوم ليس مجرد انحياز عابر، بل هندسة ممنهجة للرأي العام. تُصاغ الروايات مسبقًا، ثم تُوزَّع عبر القنوات والصحف ومراكز النفوذ، فتتكرر العبارات نفسها وتُستخدم المصطلحات ذاتها، وكأن العالم يستمع إلى غرفة أخبار واحدة تُدار بالمصالح لا بالضمير.

والأخطر أن بعض القنوات العربية، التي كانت تُعد يومًا نموذجًا للمهنية والمصداقية، وقعت هي الأخرى في فخ الاصطفاف. فبدل أن تكون صوتًا للحقيقة، أصبحت تردد روايات جاهزة، وتتبنى سرديات منحازة، وتمارس الانتقائية في عرض المآسي، فتُبرز ضحية وتُخفي أخرى، وتمنح التعاطف لطرف وتحرمه عن الآخر.

إن التضليل الحديث لم يعد قائمًا فقط على الكذب المباشر، بل على أنصاف الحقائق، وانتقاء الصور، وتكرار الرسائل، وصناعة الأعداء، وإرباك المتلقي حتى يفقد القدرة على التمييز بين الخبر والدعاية.

لقد سقطت الأقنعة، واتضح أن حرية التعبير التي يتغنى بها الغرب ليست مبدأً مطلقًا، بل امتيازًا يُمنح عندما يخدم مصالحهم ويُسحب عندما يفضح ممارسات حلفائهم.

ولذلك، فإن الواجب اليوم هو تقديم المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، والدفاع عن الوطن ووحدته وسيادته في عالم متقلب لا تحكمه المبادئ بقدر ما تحكمه المصالح، وفي مواجهة قوى مفترسة ما تزال تحنّ إلى ماضيها الاستعماري وإن غيّرت أساليبها وأدواتها. فالأوطان التي لا يحميها وعي أبنائها تصبح فريسة سهلة في زمن الهيمنة الناعمة والحروب الإعلامية.

في زمن الفوضى الإعلامية، لم يعد السؤال: من يملك الحقيقة؟ بل من يملك القدرة على حجبها؟
والأمم الواعية هي التي لا تستهلك الخبر كما يُقدَّم لها، بل تُفككه وتقرأ ما وراءه، وتبحث عن الحقيقة وسط ركام الدعاية.

Exit mobile version