من نيكسون إلى هرمز: الصين وأمريكا وسياسات الاستقرار الاستراتيجي

من كاليفورنيا: بقلم أ.د حمود صالحي
في ختام زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الصين، يُقال إنّ الزعيم ماو تسي تونغ انحنى نحوه وقال له بصوت واثق ومتزن: «أرجو أن تعلم أنّه بمجرد مغادرتك الأراضي الصينية، سنستأنف هجومنا عليكم، وسنواصل تصوير أمريكا على أنها قوة إمبريالية». ومع ذلك، فقد حظي نيكسون خلال زيارته باستقبال دافئ وغير مسبوق من الجانب الصيني، شمل تعليقًا مؤقتًا للحملة المناهضة للإمبريالية الأمريكية. وخشية أن يغادر نيكسون الصين وهو يحمل انطباعًا بأن العلاقات بين البلدين قد أصبحت طبيعية، حرص ماو على تذكيره بأن العداء الأيديولوجي سيعود فور مغادرته الأراضي الصينية.
إلى حدٍّ كبير، لم يختبر الرئيس دونالد ترامب شيئًا من هذا القبيل خلال زيارته الأخيرة إلى الصين. بل على العكس، شهدت العلاقات الصينية الأمريكية في الفترة الأخيرة حالة من “الهدوء” النسبي. فقد تراجعت الحرب التجارية بين البلدين، ولو مؤقتًا، وذلك جزئيًا بسبب الهدنة التي توصّل إليها الطرفان، وجزئيًا لأن الرئيس ترامب اضطر إلى التراجع عن بعض سياساته الجمركية بعد أن قضت المحكمة العليا بعدم دستورية بعض جوانبها. ومن خلال احترام كل طرف لوجهة نظر الآخر، نجح الزعيمان في خلق أجواء تعكس صورة من “الطبيعية” في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين.
وكان جزء من هذا التطبيع يتمثل في قبول كل دولة لرواية الدولة الأخرى. فعندما تفاخر الرئيس ترامب بنتائج زيارته، مشيرًا إلى الصفقات التجارية والإنجازات الدبلوماسية، لم تؤكد الصين تلك الروايات ولم تنفها بشكل مباشر. وفي المقابل، تجنبت الولايات المتحدة التركيز على قضية تايوان في البيان المشترك، إدراكًا منها أن إثارة هذه القضية قد تؤثر سلبًا على العلاقات مع بكين.
ولم تكن هذه القمة قمةً تحوّلية؛ إذ لم تشهد اختراقات كبرى أو اتفاقيات تاريخية من شأنها إعادة تشكيل العلاقات بين البلدين بصورة جذرية. ففي الوقت الذي انعقدت فيه القمة، كانت العلاقات الأمريكية الصينية تمر بالفعل بحالة من الهدوء النسبي. وفي الواقع، ربما كان أبرز ما نتج عن هذه الزيارة هو امتناع الولايات المتحدة عن انتقاد الصين أو إثارة قضية تايوان بشكل مباشر. وبهذا، بدت واشنطن وكأنها تحترم ما وصفته السفارة الصينية في واشنطن بـ«الخطوط الحمراء» التي قد تؤثر سلبًا على العلاقات بين البلدين.
وفي السياق ذاته، لا ينبغي المبالغة في تفسير التصريحات المتوازية الصادرة عن واشنطن وبكين بشأن مضيق هرمز باعتبارها تعبيرًا عن اتفاق استراتيجي كامل بين الطرفين. فكلٌّ من الولايات المتحدة والصين يتحرك وفق حسابات دقيقة ترتبط بمصالحه الوطنية الخاصة. وتتمثل أولوية الصين في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وضمان تدفق الطاقة دون انقطاع، وحماية التجارة الدولية، مع الحرص في الوقت نفسه على احترام سيادة إيران ومخاوفها الأمنية المشروعة في منطقة الخليج.
وقد اتسم الموقف الصيني بالثبات والوضوح؛ إذ تعارض بكين التصعيد، وترفض المواجهة العسكرية، وتدعو باستمرار إلى الحوار وضبط النفس. كما شددت الصين على أن أي اضطراب في حركة الملاحة الدولية يشكل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي، لا سيما للدول النامية التي تعتمد على استقرار أسواق الطاقة.
وفي الوقت ذاته، حرصت بكين على عدم تبني الخطاب الغربي المرتبط بـ«حرية الملاحة» بطريقة تُفسَّر على أنها مواجهة مباشرة مع إيران. فالصين تدرك أن مضيق هرمز يقع ضمن بيئة جيوسياسية شديدة الحساسية، ترتبط بالمياه الإقليمية الإيرانية وباعتبارات أمنية إقليمية معقدة ومشروعة. وهذا النهج المتوازن يمنح بكين القدرة على الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأطراف، مع دعم حلول تستند إلى القانون الدولي والدبلوماسية وخفض التصعيد عبر التفاوض، بدلًا من الإكراه أو استخدام القوة الأحادية.
وفي هذا السياق، يمكن للصين أن تسهم بصورة فعالة في تخفيف التوترات وإعادة المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى مسارها، رغم أن بكين تفضّل العمل بهدوء ومن خلف الكواليس بدلًا من الظهور كوسيط علني. وقد اعتمدت الصين بشكل متزايد على باكستان، أحد أقرب شركائها الاستراتيجيين، والتي تحتفظ بعلاقات عملية مع إيران والسعودية والولايات المتحدة، للمساعدة في تسهيل الحوار وخفض التوترات في المنطقة. ويعكس التنسيق الدبلوماسي الأخير بين بكين وإسلام آباد هذا التوجه، حيث دعت الدولتان إلى وقف التصعيد وضبط النفس وضمان استمرار الملاحة التجارية الآمنة عبر مضيق هرمز.
كما تدرك الصين أن قوى إقليمية مثل باكستان والسعودية قد تمتلك تأثيرًا سياسيًا أكبر على واشنطن مقارنة بتحرك صيني مباشر ومنفرد. ومن خلال تشجيع شركائها الذين تربطهم علاقات أمنية وسياسية وثيقة بالولايات المتحدة على دعم الحوار وخفض التصعيد، تستطيع بكين أن تمارس ضغطًا غير مباشر على واشنطن للعودة إلى طاولة المفاوضات بدلًا من الانزلاق نحو المواجهة العسكرية.
وتسمح هذه المقاربة للصين بحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، والحفاظ على علاقاتها مع طهران، وفي الوقت ذاته تقديم نفسها كقوة مسؤولة تدعم الاستقرار والدبلوماسية واحترام سيادة الدول في إطار القانون الدولي
وفي النهاية، يبدو أن العلاقات بين القوى الكبرى لا تُدار فقط عبر الاتفاقيات الرسمية أو البيانات الدبلوماسية، بل أيضًا عبر الرسائل الرمزية والإشارات غير المعلنة. فما بين تحذير ماو لنيكسون، ومحاولات واشنطن وبكين اليوم إدارة خلافاتهما بهدوء، يتضح أن السياسة الدولية لا تعرف الصداقات الدائمة بقدر ما تعرف توازن المصالح.
وربما تكمن المفارقة الطريفة في أن الصين، التي كانت ذات يوم تصف الولايات المتحدة بالقوة الإمبريالية، أصبحت اليوم من أكثر الأطراف حرصًا على استقرار النظام التجاري العالمي الذي تقوده واشنطن. وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة أحيانًا للتنسيق مع خصومها الاستراتيجيين لحماية الممرات البحرية والتجارة الدولية. وكأن السياسة الدولية تقول لنا باستمرار: لا توجد عداوات مطلقة، بل مصالح تتغير، وتحالفات يعاد تشكيلها كلما تغيّر ميزان القوى.

Exit mobile version