ما يجب أن يقال:بقلم :جمال بن علي
قبل شهور قليلة من انتهاء عهدة إيمانويل ماكرون، بكل ما حملته من سلبيات وإخفاقات وانتقادات، تجد فرنسا نفسها أمام مشهد داخلي مضطرب، تتداخل فيه أزمات المعيشة والضغوط الاقتصادية والغضب الاجتماعي مع مشاهد العنف والتخريب التي أعادت إلى الواجهة سؤال الاستقرار وقدرة السلطة على احتواء الاحتقان.
شوارع ملتهبة، متاجر تتعرض للنهب، ومؤسسات عامة تواجه الغضب، فيما تلجأ السلطات إلى فرض حظر تجول محدود في بعض المناطق، ولا يستبعد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إعلان حالة الطوارئ إذا استدعت التطورات ذلك. مشهد ثقيل على جمهورية اعتادت تقديم نفسها نموذجًا للاستقرار والقوة والتأثير الأوروبي.
وفي خضم هذه الأجواء، يختار ماكرون التوجه نحو الخليج، في جولة تشمل الكويت والإمارات والبحرين وقطر، بحثًا عن تعزيز الشراكات الاستراتيجية وتأمين إمدادات الطاقة وتخفيف تداعيات أزمتها على الاقتصاد الفرنسي. جولة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، بينما تتصاعد الضغوط في الداخل وتتراجع قدرة الخطاب السياسي على إقناع الشارع بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.
هنا تبرز المفارقة: رئيس يواجه اضطرابات داخلية في الأشهر الأخيرة من ولايته، ويبحث في الخارج عن هوامش اقتصادية واستراتيجية تساعده على تجاوز أزمة متشعبة. وبينما تتجه الأنظار إلى الشوارع الفرنسية، تتجه طائرة الرئاسة نحو الخليج، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع حسابات الطاقة والدفاع والاستثمار.
وليس خافيًا أن فرنسا تواجه تحديات مالية ثقيلة، في ظل مديونية عامة مرتفعة وعجز في الميزانية وضغوط على المالية العمومية. وهي تحديات لا تُحل بجولة دبلوماسية، مهما كانت أهميتها، بل تحتاج إلى خيارات اقتصادية واضحة وإصلاحات قادرة على استعادة الثقة وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
أما الخليج، فليس مجرد وجهة لطلب النجدة، بل فضاء لشراكات ومصالح متبادلة، تمتلك دوله ثقلًا ماليًا واستثماريًا واستراتيجيًا متزايدًا. غير أن توقيت الجولة يضعها تحت مجهر النقد السياسي: خاصة أن دول الخليج تعيش اليون حالات من الذعر و الفوضى ،و تاريخ من الجرائم و الفضائح مثلما تعيشه دولة الإمارات، و بعدكل هذا، هل تستطيع الدبلوماسية الاقتصادية توفير متنفس لفرنسا، أم أن أزمات الداخل أعمق من أن تعالجها الاتفاقيات الخارجية وحدها؟
لقد راكمت سنوات ماكرون ملفات خلافية، من إصلاحات اجتماعية أثارت احتجاجات واسعة، إلى التوترات حول القدرة الشرائية والمالية العامة، وصولًا إلى أزمة الثقة بين قطاعات من الفرنسيين ومؤسسات الحكم. ومع اقتراب نهاية ولايته، تصبح حصيلته السياسية والاقتصادية موضع مساءلة أشد، فيما لا تزال البلاد تبحث عن مخرج من دوامة الاحتقان.
إن فرنسا التي تحترق شوارعها في بعض المدن، وتبحث قيادتها عن تأمين مصالحها الاقتصادية في الخليج، تواجه اليوم اختبارًا يتجاوز الأمن والوقود والاستثمار. إنه اختبار الثقة في الدولة، وفي قدرة السلطة على الإصغاء إلى مواطنيها وتقديم حلول ملموسة لمشكلاتهم.
وفي نهاية المطاف، قد تنجح جولة ماكرون في فتح أبواب جديدة للتعاون وتأمين بعض الاحتياجات الاستراتيجية، لكن الحكم على حصيلتها سيظل مرتبطًا بما يحدث داخل فرنسا. فالأزمات الاجتماعية لا تطفئها الطائرات الرئاسية، والغضب الشعبي لا تعالجه الصور الرسمية، والاقتصاد لا يستعيد عافيته بمجرد الانتقال من عاصمة إلى أخرى.
بين نار الشارع الفرنسي ورحلة ماكرون الخليجية، تتقدم أسئلة الحصيلة والمساءلة إلى الواجهة: ماذا بقي من وعود العهدة؟ وهل يستطيع الرئيس، قبل مغادرته قصر الإليزيه، أن يترك وراءه فرنسا أكثر استقرارًا وأقل انقسامًا؟ أم أنه سيترك وراءه رماد الغرور و سياسة الهروب إلى الأمام
