آخر الأخبار

محمد خميستي.. شهيد الدبلوماسية

14 فبراير 2018 - 12:41 ص

 

هنا ولد محمد خميستي..

ولد، محمد خميستي في 11 أوت 1930 بمغنية ولاية تلمسان، كان الأصغر في عائلته المكونة من خمسة ذكور وبنتين، استطاع والده أن يسجله في المدرسة حيث عرف محمد خميستي في محيطه بأخلاقه الطيبة وذكائه وكان منذ صغره متفوقا واحتك بشباب الحركة الوطنية الثورية، أسوة بزميله، أحمد مدغري، الذي اختار نهجا غير الذي سار عليه والده المناضل النشيط في حزب البيان (فرحات عباس) بسعيدة.

وبعد اجتياز امتحان البكالوريا بنجاح وبعد أن حقق نتائج ممتازة، اختار كلية الطب بمونبوليي (فرنسا) التي التحق بها في الموسم الجامعي 52 / 53 على الأرجح.

ويفهم من شهادة الدكتور مسعود جناس، الذي سبقه إلى نفس الكلية، أن الطالب الجديد كان ميسرا للدراسة الجامعية والنضال الوطني في نفس الوقت. وقد تعرف عليه بواسطة زميله محمد فرادي (من معسكر) الذي أخبره بالتحاق طالب جديد “جدير بالاهتمام”، حسب قوله، وبعد اللقاء الأول خرج بانطباع، أنه أمام شاب “مشحون بطموح قوي في خدمة الوطنية المناضلة”.

 

 

رائد الحركة الطلابية

كان محمد خميستي شابا طموحا ومتطلعا وحالما بغد أحسن وكان متشبعا بالفكر التحرري وحاضرا لأي متطلب نضالي من أجل الجزائر، هذا الاستعداد النضالي ما لبث أن عبّر عن نفسه بمجرد اندلاع الثورة فقد كان له قصب السّبق في الاتصال بممثلي جبهة التحرير الوطني والشروع بالتنسيق معهم في تأسيس الخلايا الطلابية الأولى بالناحية، كان ذلك في ربيع 1955 (على الأرجح)، عندما بدأت اتحادية الجبهة تهيكل قواعدها بفرنسا، بالتزامن مع انطلاق عملية تنظيم الحركة الطلابية في إطار “الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين”.

وكانت “جمعية الطلبة المسلمين المغاربة” قد وجهت من الجزائر، في 27 فبراير من نفس السنة، نداءً في هذا الاتجاه، ما لبث أن لقي تجاوبا وسط الطلبة الجزائريين بفرنسا الذين بادروا بعقد ندوة تحضيرية بباريس في 4 أبريل الموالي، شارك محمد خميستي مع رفاقه في جامعة مونبوليي مشاركة فعالة في التحضير لهذة الندوة، وكان من المتحمّسين لحرف “الميم” الذي فرض نفسه بفضل مساندة أغلبية الطلبة الجزائريين، علما أن صفة “المسلم” كانت أهم ما يميز الجزائري آنذاك، بعد أن حرمه نظام الاحتلال من حق الانتساب إلى وطنه الجزائر.

وبعد تأسيس الاتحاد في يوليو 1955، سارع خميستي ورفاقه بتأسيس فرعه بجامعتهم، وتولى رئاسته بعد أن حظي بالتزكية كمرشح وحيد، وفور تأسيس الفرع شرع ورفاقه في الدعوة لجبهة التحرير الوطني وسط اليسار الفرنسي خاصة، وللحل السلمي للنزاع القائم منذ فاتح نوفمبر بالتفاوض معها، وبعد أن شارك الفرع في إضراب 20 يناير 1956 عن الدراسة وعن الأكل احتجاجا على حملات القمع الاستعماري، بادر بتنظيم محاضرة متبوعة بنقاش مفتوح حول المسألة الجزائرية في بورصة العمل بمونبوليي.

وقد تحرك الطلبة المتطرفون من اليمين الفرنسي لمنع هذه المحاضرة، بقيادة جان مارك موسرون الرئيس الشرفي للاتحاد الوطني للطلبة الفرنسيين، وقد رد الفرع على هذا الاستفزاز بما يستحق، مستعينا في ذلك بطلاب المغرب العربي وزملائهم من المستعمرات الفرنسية عامة، وكان لخميستي شرف رئاسة المؤتمر الثاني للاتحاد العام المنعقد بباريس ما بين 24 و30 مارس من نفس السنة، حيث انتخب أمينا عاما إلى جانب الرئيس الجديد مولود بلهوان الذي خلف أحمد طالب الإبراهيمي.

وكان المؤتمر منعطفا حاسما في مسار الحركة الطلابية، بعد أن أعلن في لائحته العامة عن تعلقه باستقلال الجزائر، ودعوته إلى الإفراج عن جميع السجناء الوطنيين، وإلى التفاوض مع جبهة التحرير الوطني كممثل شرعي وحيد للشعب الجزائري.

وفي كلمة ختامية أكد رئيس المؤتمر على أولوية المسألة السياسية بقوله: “كيف يمكننا أن ندرس إذا كنا نجر قيود العبودية الاستعمارية؟”، مضيفا: “أن الطلبة المسلمين الجزائريين المستأصلين عن أرومتهم بعد أن تعرضت شخصيتهم للتشويه، والمنفيين عن لغتهم وماضيهم، يطالبون أولا بحقهم في أن يكونوا كما هم، كما يطالبون بدراسة لغتهم والعودة إلى أصولهم الثقافية”، ليختم قائلا: “إن قضيتنا قبل أي شيء آخر هي قضية الحرية والسيادة التي تتحكم في كل ما عداها”.

هذا الخطاب شكل تمهيدا واضحا لإضراب 19 مايو الموالي الذي لعب فيه خميستي، من موقعه في الأمانة العامة للاتحاد وفي فرع مونبوليي، دورا رائدا، ويقول الدكتور مسعود جناس في هذا الصدد، إن خميستي توجه، بعد تحرك فرع الجزائر العاصمة، إلى باريس، حيث شارك في اجتماع اللجنة المديرة التي قررت، بأغلبية ساحقة، تعميم الأحزاب بالجامعات الفرنسية وغيرها.. وعاد إلينا بموقف حازم: لا مجال للتراجع عن قرار الإضراب غير المحدود، ولم يبق أمامنا غير إقناع بقية الزملاء بذلك.

وعقدت لهذا الغرض جمعية عامة للفرع لم تجد بدا من تزكية قرار قيادته للاتحاد أصبح محمد خميستي الأمين العام لقسم مونبولييه، وكان عضوا باللجنة التنفيذية بباريس، وترأّس، بعدها أول مؤتمر للمنظمة الطلابية، الذي جمع النخبة الجامعية المؤهلة من أجل تحرير الوطن، ثم انعقد مؤتمر الاتحاد العام للطلاب المسلمين الجزائريين، من 24 إلى 30 مارس 1956، بباريس، واختتم بمطالب الاستقلال، والإفراج عن كل المعتقلين وعقد مفاوضات مع جبهة التحرير الوطني.

حبّه لكرة القدم..

ساهم، الراحل، في تأسيس فريق كرة القدم لجبهة التحرير الوطني، وكان رئيس الوفد في رحلاته عبر كل القارات في سنة 1957، في المهرجان الدولي للشباب بموسكو، غادر باريس نحو موسكو، مرورا بألمانيا وبلدان الشرق، في الوقت الذي أخذت القضية الجزائرية حجمها، وللمرة الأولى تواجد وفد جزائري في تظاهرة دولية، حينها تفاجأ الوطنيون الجزائريون، عندما تم منع أعضاء وفدهم من رفع العلم الوطني، حينها صرّح محمد خميستي وجود العلم الوطني لا نقاش فيه، نحن هنا من أجله، ليستقيم كل من خروتشوف وبولجانين في ملعب لينين بموسكو لتحية العلم الأخضر والأبيض ذي الهلال القمري والنجمة الحمراء، رمز الكفاح الجزائري. ساهم محمد خميستي في ترقية التضامن العالمي لصالح المقاومة.

وترأّس الوفد، الذي تلقى ترحيبا حارا خلال تنقله في الصين وفيتنام، إذ استقبل من قِبل شو أون لاي، الوزير الأول للجمهورية الشعبية الصينية، والقائد الفيتنامي العظيم هو شي مين، وعند عودته إلى فرنسا أوقف في 12 نوفمبر 1957 بمونبولييه، وتم تحويله إلى سجن الحراش حيث سجن أخوه مكي، في السجن خطّ كتابا عن حياته وظروف اعتقاله، وهي المخطوطة التي لم يظهر لها أثر.

وفي السجن، أيضا، عيّنه المناضلون ليمثّلهم لدى إدارة السجن، وحوّل من جديد إلى سجن فرنسي، ليطلق سراحه عام 1960. غير أنه بقي مهدّدا، فذهب، سرّا، إلى سويسرا، متنكرا في صفة كاهن. وبمجرد وصوله كلّفته قيادة الثورة التحريرية بمهمات مختلفة، وبحماية شبكات جمع الأموال في أوروبا لصالح الجزائر.

نضاله في سجن الحراش

وتشهد المصادر الفرنسية ذاتها بأن فرع مونبوليي حقق رقما قياسيا في التحاق عناصره بجيش التحرير الوطني، هذه العناصر التي سجلت أسماءها بأحرف من ذهب في مختلف الولايات تقريبا: عثامنة في الأولى والتومي في الثانية، ولاليام في الثالثة وعروة في الرابعة.. والأزرق في الخامسة وهلم جرا.. واصل خميستي بعد الإضراب مهامه النضالية، انطلاقا من الأمانة العامة للاتحاد الذي كان على صلة مستمرة بقيادة اتحادية فرنسا، علما أن الدكتور أحمد طالب، أول رئيس للاتحاد، كان قد التحق بقيادة الاتحادية.. غير أن هذا النشاط النضالي الحثيث توقف فجأة في 11 نوفمبر 1957، إثر اعتقال الأمين العام للاتحاد شهرا تقريبا قبل انعقاد المؤتمر الثالث في أواخر ديسمبر الموالي.

سجن خميستي أولا بـ”لا صنتي” في باريس، لكنه نقل إثر ذلك إلى الجزائر، حيث استقر به المقام بالحراش، لم يجد الطالب السجين صعوبة في التكيّف مع محيطه الجديد، بعد أن وجد روادا استطاعوا أن يرتبوا شؤون حياة السجناء داخله، وكان على رأس هؤلاء يومئذ رابح بيطاط القائد الأول للمنطقة الرابعة التي تضم عاصمة البلاد، وعندما نقل هذا الأخير إلى فرنسا سنة 1958 خلفه خميستي عن جدارة واستحقاق، رغم تحفظ جماعة السعدي ياسف، كما تفيد بعض الشهادات! وما لبث الطالب المسؤول أن نقل بدوره إلى فرنسا عبر سجن مرسيليا.. ليستفيد بعد حين من الإفراج المؤقت.

وقد تمكن في نهاية المطاف من مغادرة فرنسا، والالتحاق بلوزان حيث قضى فترة علاج واستجمام قبل أن يستأنف دراسته، ويطعمها بمتابعة دروس في الاقتصاد السياسي استعددا لمهام البناء الوطني، بعد أن أصبح استقلال الجزائر على الأبواب.

وغداة وقف القتال، دخل محمد خميستي في ركاب الهيئة التنفيذية المؤقتة، التي اشتهرت “بحكومة بومرداس”، أولا ضمن طاقم بلعيد عبد السلام مسؤول الشؤون الاقتصادية في هذه الهيئة، ثم كمدير ديوان لرئيسها الموثق السياسي عبد الرحمان فارس.

ومن هذا الموقع ما لبث أن أصبح حلقة هامة في مناصرة أحمد بن بلة، وكسب المؤيدين له.. لاسيما أن رياح السلطة كانت تهب لصالحه وحليفه القوي هواري بومدين قائد الأركان العامة لجيش التحرير.

وزير الخارجية

بعد وقف إطلاق النار في 12 مارس 1962 ، عيّن لتسيير مجلس الوزراء في السلطة التنفيذية المؤقتة ببومرداس، والتي ترأّسها عبد الرحمان بفارس، وبعد تشكيل أول حكومة جزائرية، في 27 سبتمبر 1962 ، اقترح عليه منصب وزير الخارجية، التي أعلن عنها في 26 سبتمبر 1962.

وبهذه الصفة رافق الرئيس بن بلة إلى نيويورك في أكتوبر الموالي، لتقديم ترشيح الجزائر المستقلة لعضوية هيئة الأمم المتحدة.. وقاد إثر عودته الجولات الأولى من المفاوضات مع الفرنسيين حول وضع اتفاقيات إيفيان موضع التنفيذ.. وقد بدأت بالجزائر وتواصلت بباريس.

وفي 11 مارس 1963 عقد أول مؤتمر صحفي لطرح تصور وزارته لسياسة الجزائر الخارجية، مع توضيح بعض المفاهيم مثل الوحدة العربية وعدم الانحياز..، وفي نهاية نفس الشهر رافقا هواري بومدين، نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع، في جولة لمصر وبعض أقطار المشرق العربي.

وأثناء غيابه ناقشت لجنة المالية في المجلس التأسيسي ميزانية وزارته، ولاحظ عبد الرحمان فارس عضو اللجنة بالمناسبة، أن أحمد قايد رئيس لجنة الشؤون الخارجية تهجّم على خميستي عدة مرات بدون مبرر واضح.. لما عاد أخبره بما حدث ونبّهه في نفس الوقت.. لكن الوزير الشاب طمأنه قائلا: لا تشغل نفسك! فأنا أعرف كيف أواجهه إذا اقتضى الأمر.

الاغتيال الغامض..

كان ذلك صبيحة 11 أفريل 1963 وحسب فارس، أن خميستي عاد مرهقا من الزيارة المشرقية، حيث بذل مجهودا كبيرا لذلك كان قد قرر أنه الوقت المناسب من أجل الاستفادة من عطلة يعيد فيها كل حساباته ويقرر بعدها ما الذي سيفعله في المستقبل حيث كانت له نية الأستقالة والسفر هوو عائلته، لأخذ قسط من الراحة. لكن الأجل كان بالمرصاد ليسلك به طريق الراحة الأبدية وحصل ذلك عند خروجه من مقر المجلس الوطني، على الساعة الواحدة زوالا، بعد نهاية مناقشة ميزانية عام1963 ، كان قاتله يترصده.

محمد خميستي هو ضحية جريمة شنعاء جرفته من على شرفة مبنى قصر زيغود يوسف، كان ذاهبا إلى زوجته التي كانت تنتظره في السيارة، نقل إلى المستشفى وهو في حالة حرجة، توفي في 4 ماي 1963 .

وجرت مراسيم الدفن في مقبرة لالة مغنية في المدينة، التي ولد فيها،حيث بكى عليه البشر والحجر لأنه لم يكن فقيد عائلته فهو فقيد وطنه فبالأضافة لكونه سياسيا وو زيرا لأول حكومة جزائرية مستقلة فهوعلى المستوى الأنساني شخص مأدب ومحترم حبب جميع الناس فيه لذالك بكاه الجميع وشهدت جنازته حضور عشرات الآلاف من المواطنين، والعديد من الوفود الأجنبية.

 

 

أما بالنسبة للقاتل، فبعد اعتقاله، وجد مشنوقا في زنزانته يوم 20 جوان 1965، أي يوما بعد الانقلاب على نظام أحمد بن بلة. ومازالت تعارض ما تعتبره كذب الدولة. ابنتها التي أنجبتها من زوجها الأول، مع العقيد لطفي، والذي قُتل، أيضا، في ظروف غامضة، ترفض، من جهتها، الظروف المصرّح بها حول وفاة أبيها ومحمد خميستي. وتؤكد أن الشعب الجزائري يحتاج إلى أكثـر من النسخة الرسمية لكتابة تاريخ نزيه ومنطقي للوطن. وتقول العائلة إنه حفاظا، في قلوبنا، على مشوار هذا الرجل العفيف المتواضع والممتن لعمله، تطلب عائلته من كل من عرفه أو شاركه في مهنته، أو تقاسم معه المشوار، ليكون لهم وقفة من أجل تشريف ذاكرة من الدفاع على الجزائر الحرة. إذا كان الرجال عرضة للنسيان، فالتاريخ لا ينسى.

 

الرئيس الراحل بن بلة: “مقتل خميستي كان بسبب امرأة”

 

 

عائلة خميستي تبحث عن الحقيقة

خرجت، أرملته السيدة مشيش فاطمة في 29 مارس 2011، وأتت بحقائق وصفتها الصحافة بأنها مدهشة حول أحداث هذه الجريمة، التي تبقى إلى يومنا هذا يكتنفها الغموض خصوصا بعد ذكر قضية محمد خميستي في عدة مذكرات وبحقائق متناقضة وهذا ما جعل أغتياله محيرا بالنسبة لشريحة كبيرة من الرأي العام الجزائري.

انتخبت، السيدة مشيش برلمانية في أول مجلس جزائري، عادت، 50 سنة فيما بعد، لهذا الجزء المظلم من حياتها في الجزائر بعد استقلالها، هذه الجريمة ما زالت عالقة، فتحت طورا جديدا لقتل سياسيين جزائريين، بالنسبة للبرلمانية السابقة، كانت متيقنة بأن “محمد خميستي قُتل لأسباب سياسية، وقد صرّح زوجها، بضعة أيام قبل وفاته، بأن لديه النية في الانسحاب من الحكومة، لعدم اتفاقه مع نظام أحمد بن بلة، بسبب سوء التفاهم بين الرجلين حول اختيار الاتجاهات الإيديولوجية الكبرى من قِبل الجزائر، والتي رفضها الوزير بقوة، قُتل رميا بالرصاص أمام مقر المجلس الوطني يوم 11 أفريل 1963 .”

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five × one =