ما يجب أن يقال بقلم :جمال بن علي
في الرابع عشر من فبراير من كل عام، يتوشّح العالم بالأحمر احتفاءً بـ عيد الحب، المناسبة التي تعود جذورها إلى ذكرى القديس فالنتين، قبل أن تتحول عبر القرون إلى واحدة من أقوى الظواهر الاقتصادية في العصر الحديث. ما كان في الأصل تقليداً رمزياً لتبادل العاطفة، أصبح اليوم موسماً تجارياً عالمياً تتحرك فيه المصانع بكامل طاقتها، وترتفع حجوزات الطيران، وتمتلئ المطاعم، وتسجل المنصات الرقمية أرقاماً قياسية في المبيعات. وكأن القلب نفسه أصبح محركاً خفياً للرأسمالية المعاصرة.
في الولايات المتحدة وحدها، يُنفق المستهلكون عشرات المليارات من الدولارات خلال أيام قليلة على المجوهرات، الشوكولاتة الفاخرة، العشاء الرومانسي، الورود، الرحلات السياحية، والهدايا الشخصية. وفي أوروبا، تسجل دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة ارتفاعاً ملحوظاً في الحجوزات والمشتريات الفاخرة. أما في آسيا، فقد اكتسب العيد أبعاداً تسويقية مبتكرة في اليابان وكوريا الجنوبية، حيث تمتد طقوس تبادل الهدايا إلى أيام إضافية، مما يطيل دورة الاستهلاك ويحوّل المناسبة إلى استراتيجية تجارية مستمرة.
هذا التحول يجسد ما يُعرف بالاقتصاد العاطفي، حيث تتحول المشاعر الإنسانية—الحب، الامتنان، الشغف، والانتماء—إلى قيمة سوقية قابلة للقياس والتسعير. لم تعد الإعلانات تروج لمنتجات فحسب، بل تسوّق قصصاً عاطفية. خاتم الألماس يرمز إلى التزام أبدي، علبة الشوكولاتة الفاخرة تعني اهتماماً خاصاً، وباقة الورد تصبح لغة رمزية مكثفة. وهكذا يتحول الإنفاق إلى دليل على المشاعر، ويصبح الاستهلاك تعبيراً علنياً عن إحساس خاص.
الأرقام تكشف حجم الظاهرة؛ مبيعات الورود قد تتضاعف خلال أسبوع العيد، وصناعة الشوكولاتة تحقق جزءاً كبيراً من أرباحها السنوية في هذه الفترة القصيرة، فيما يعتبر قطاع المجوهرات هذا الموسم من أكثر مواسمه ربحية. كما تعمل منصات التجارة الإلكترونية وشركات التوصيل بأقصى طاقتها، ضمن سلسلة إمداد عالمية تمتد من مزارع الزهور في إفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى مصانع أوروبا وآسيا، وصولاً إلى المستهلك الذي يدفع بسخاء ليقول عبارة واحدة: أحبك.
في العالم العربي و الجزائر، ورغم الجدل الثقافي والديني الذي يرافق المناسبة، توسع حضور عيد الحب بشكل لافت في السنوات الأخيرة. تتزين الأسواق باللون الأحمر، تنظم المطاعم أمسيات خاصة، وتشهد المنصات الرقمية ارتفاعاً في الطلبات. وبين التحفظ والاندماج، ترى قطاعات اقتصادية عديدة في المناسبة فرصة لتنشيط التجارة و بيع الهدايا و الورود والسياحة والخدمات.
يبقى السؤال الجوهري: هل فقد عيد الحب معناه الروحي الأصلي، من عنتر ابن شداد و عبلة و قيس و ليلى و روميو و جولييت أم أنه تأقلم ببساطة مع منطق العصر؟ الرأسمالية لم تخترع الحب، لكنها أتقنت فن تغليفه وتسويقه. في عالم تتقاطع فيه الرومانسية مع الأرباح، أصبحت العاطفة أصلاً اقتصادياً، وأصبح القلب يخفق ليس فقط في القصائد، بل أيضاً في تقارير الأرباح وحسابات الميزانيات، مؤكداً أن الحب في زمن العولمة يحمل بطاقة سعر بمليارات الدولارات.
