ما يجب أن يقال: بقلم جمال بن علي
في سابقة لافتة وخطيرة في توقيتها، جاءت استقالة Joe kent من رئاسة مركز مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، بعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب مع إيران. لم تكن هذه الاستقالة حدثاً إدارياً عادياً، بل بدت وكأنها زلزال صامت داخل بنية الأمن القومي الأمريكي، يكشف أن الحرب لم تعد فقط في الخارج… بل بدأت تتسلل إلى عمق القرار في واشنطن.
حين يستقيل مسؤول بهذا المستوى في ذروة المواجهة، فإن الرسالة تكون واضحة: هناك خلل عميق في التقدير، وربما اعتراض غير معلن على المسار الذي تسلكه الإدارة الأمريكية. فالأجهزة الأمنية، وعلى رأسها مراكز مكافحة الإرهاب، هي الأكثر إدراكاً لتداعيات الحروب غير المحسوبة، لأنها أول من يتعامل مع نتائجها عندما تتحول الفوضى إلى تهديدات عابرة للحدود.
استقالة Joe kent في هذا التوقيت الحرج تطرح سؤالاً مركزياً: هل ما يجري هو اختلاف في وجهات النظر، أم بداية صراع أجنحة داخل البيت الأبيض ومؤسسات الدولة العميقة؟
الواقع أن المؤشرات توحي بما هو أخطر من مجرد خلاف. فداخل واشنطن، تتقاطع ثلاث رؤى متناقضة: الأولى تدفع نحو التصعيد وترى في الحرب فرصة لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط بالقوة، والثانية تحذر من أن المواجهة مع إيران ستفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها، بينما ترفض الثالثة من حيث المبدأ الانخراط في حرب جديدة قد تستنزف الولايات المتحدة دون مكاسب واضحة.
في هذا السياق، تبدو الحرب مع إيران نقطة الانفجار التي كشفت هذا الانقسام. فإيران ليست خصماً تقليدياً، بل لاعب إقليمي معقد يمتلك أدوات متعددة للرد، ما يجعل أي مواجهة معها مرشحة للتحول إلى صراع طويل ومتشعب.
الأخطر أن هذا النوع من الحروب لا يُقاس فقط بنتائج المعارك، بل بارتداداته. فالتاريخ القريب يثبت أن الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة في بيئات معقدة غالباً ما تنتج تهديدات جديدة، وعلى رأسها الإرهاب. ومن هنا، قد يكون جوهر الاعتراض داخل المؤسسة الأمنية هو الخشية من أن تتحول هذه الحرب إلى مولد جديد للفوضى، يعيد إنتاج نفس التهديدات التي حاولت واشنطن القضاء عليها لعقود.
كما أن توصيف هذه الحرب—في بعض الأوساط الأمريكية—بأنها “حرب إسرائيلية-أمريكية” يزيد من حدة الانقسام، لأنه يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة القرار: هل تتحرك الولايات المتحدة وفق مصالحها الاستراتيجية المباشرة، أم ضمن شبكة تحالفات تدفعها إلى مواجهات أكبر من حساباتها؟
في ظل هذا المشهد، لا تبدو استقالة Joe kent حدثاً معزولاً، بل ربما بداية سلسلة من التصدعات داخل المؤسسة الأمريكية، خاصة إذا طال أمد الحرب أو اتسعت رقعتها.
إن أخطر ما تكشفه هذه اللحظة ليس فقط احتمال تصاعد التهديدات الخارجية، بل احتمال اهتزاز التماسك الداخلي لصنع القرار الأمريكي بين الصقور و الحمائم . فالدول الكبرى لا تُهزم فقط في ميادين القتال، بل أحياناً داخل غرفها المغلقة، عندما تفقد القدرة على توحيد رؤيتها في لحظات الحسم.
