ترامب… كيف حطّمت إيران حساباته وأعادته إلى طاولة الحوار

ما يجب أن يقال: بقلم جمال بن علي
لم يكن في حسابات دونالد ترامب أن يتغيّر ميزان الردع في الشرق الأوسط بهذه السرعة، ولا أن تتحول استراتيجيته المدروسة إلى ارتباك استراتيجي واضح. فقد راهن على سيناريو تقليدي: ضربة سريعة، رد محدود، ثم ضغط داخلي داخل إيران يؤدي إلى تصدع سياسي أو على الأقل إضعاف النظام. لكن ما حدث جاء عكس كل التوقعات.

أول أخطاء ترامب تمثلت في التقليل من قدرة إيران على الرد. لم يكن يتصور أن تمتد يد طهران إلى قواعده في المنطقة، وأن تتحول تلك القواعد إلى أهداف محتملة ضمن معادلة ردع جديدة. الرسائل الصاروخية الإيرانية لم تكن مجرد تحركات عسكرية، بل حملت بعدًا سياسيًا واضحًا: إثبات الحضور والقدرة. وهنا بدأت فرضية الهيمنة المطلقة في التآكل.

الإخفاق الثاني كان في سوء قراءة تماسك الداخل الإيراني. فقد راهن ترامب على أن العقوبات والضغوط الاقتصادية ستفجر الشارع ضد النظام، لكن التهديد الخارجي ساهم بدلًا من ذلك في تعزيز نوع من التماسك حول مفهوم السيادة. هذا التماسك النسبي أسقط أحد أهم أعمدة الاستراتيجية الأمريكية، وهو الرهان على الداخل كأداة ضغط.

أما الخطأ الثالث، وربما الأهم، فكان في تقدير عامل الزمن. لم يكن متوقعًا أن تصمد إيران كل هذه المدة تحت ضغط مركب عسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا و قصف مكثف من طيرانه الأمريكي و حليفه الصهيوني. غير أن قدرتها على الصمود حولت الزمن من عامل ضغط إلى عنصر قوة.

وعندما صعّد ترامب تهديداته باستهداف منشآت الطاقة ومحطات توليد الكهرباء، ومنح مهلة 48 ساعة، بدا وكأنه يدفع نحو مواجهة واسعة. لكن ما تلا ذلك كشف حدود هذا التصعيد، حيث لم يكن التراجع مجرد خطوة تكتيكية، بل إقرارًا ضمنيًا بأن كلفة المواجهة الشاملة مع إيران أعلى بكثير مما كان مقدرًا.لاسيما الخسائر الفاذحة التي تلقاها حليفه المدلل الكيان الصهيوني.

لقد اصطدمت سياسة القوة بواقع الجغرافيا السياسية. فإيران ليست هدفًا سهلًا، وشبكة علاقاتها الإقليمية إلى جانب قدراتها الصاروخية تجعل أي مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر. كما أن استهداف منشآت الطاقة كان سيهدد استقرار أسواق النفط العالمية، وقد يفتح الباب أمام تدخلات دولية غير مباشرة.

في النهاية، وجد ترامب نفسه أمام خيارين: التصعيد نحو المجهول بخيارات شمشون أو العودة إلى منطق الحوار. فاختار الطريق الثاني على مضض. وهنا تظهر المفارقة؛ رئيس جاء بخطاب المواجهة انتهى به الأمر إلى الاقتراب من التفاوض، ليس من موقع قوة مطلقة، بل من موقع إعادة حسابات.جيوسياسية داخلية و خارجية.

ما جرى لم يكن مجرد توتر عابر، بل لحظة كاشفة لتحولات أعمق في ميزان القوى. فقد أثبتت إيران أن الردع لم يعد حكرًا على طرف واحد، وأن الصراعات الحديثة لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضًا بالقدرة على الصمود وإدارة الزمن وفرض معادلات جديدة.

وهكذا، بين تهديدات لم تُنفذ وردود أعادت رسم الخطوط الحمراء، وجد ترامب نفسه أمام واقع جديد: الشرق الأوسط لم يعد ساحة مفتوحة لقرارات أحادية، وزمن الضرب دون رد قد انتهى.

Exit mobile version