جيجل.. رماد الكرامة و الإرادة

الإفتتاحية: بقلم : جمال بن علي

جيجل التي اكتست مساحات منها بالسواد و الرماد، لم تكن وحدها في مواجهة المحنة. فمنذ اللحظات الأولى لإندلاع الحرائق، تحركت السلطات العمومية، واستنفرت مختلف المصالح والإمكانات لمواجهة هذه الحرائق والحد من انتشارها وحماية السكان والممتلكات. وفي الميدان، كان رجال الحماية المدنية في مقدمة الصفوف، يواجهون ألسنة اللهب وسط ظروف صعبة ومخاطر حقيقية، في واحدة من أكثر المهام قسوة وشجاعة.

وإلى جانبهم، ساهمت عناصر الجيش الوطني الشعبي في عمليات إخماد الحرائق ومساندة جهود الحماية المدنية والمتدخلين، لتتجسد مرة أخرى صورة الدولة وهي تقف بكل مؤسساتها في مواجهة الخطر. لم تكن المواجهة مجرد عملية لإطفاء حريق، وإنما معركة من أجل حماية الإنسان، وحماية القرى والمداشر والممتلكات، والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من الثروة الغابية.

وفي قلب هذه الأزمة، برز الدور الحيوي لوزارة الصحة في التكفل السريع بالمصابين، وتعبئة المؤسسات والهياكل الصحية والوسائل الطبية الضرورية للتعامل مع الحالات الناتجة عن الحرائق. ففي لحظات الطوارئ، تكون سرعة الاستجابة جزءاً من العلاج، وتصبح الجاهزية والتنسيق بين مختلف المصالح الصحية عاملاً حاسماً في إنقاذ الأرواح والتقليل من آثار الإصابات.

لقد أثبتت هذه المحنة أن منظومة الطوارئ الصحية لا يمكن أن تكون رد فعل ظرفياً، بل هي عمل استباقي يقوم على الاستعداد والتعبئة وتوفير الإمكانات الضرورية، حتى تكون المؤسسات الصحية قادرة على التعامل مع أي وضع طارئ في الوقت المناسب.

لكن ما حدث في جيجل وبجاية و السكيكدة، لم يكن قصة مؤسسات فقط، بل كان قبل كل شيء قصة شعب. له كرامة و إرادة.

من مختلف المناطق، جاءت المبادرات التضامنية حاملة المساعدات والمواد الأساسية، وفتحت الأبواب أمام العائلات المتضررة، وتحوّل التضامن الشعبي إلى جسر بين الجزائريين. في مثل هذه اللحظات، تسقط الحدود الجغرافية بين الولايات، ويتحول ألم منطقة إلى ألم وطن كامل، وتصبح مساعدة المتضرر مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون واجباً اجتماعياً.

لقد كانت الهبة التضامنية رسالة واضحة بأن الجزائر، مهما كانت قسوة المحن، تملك رصيداً إنسانياً لا ينضب. المواطن إلى جانب المواطن، والسلطات في الميدان، ورجال الحماية المدنية في مواجهة النيران، وعناصر الجيش يقدمون الدعم والمساندة، والأطقم الطبية تسهر على المصابين؛ الجميع في خندق واحد عندما يتعلق الأمر بحماية الأرواح وإنقاذ الممتلكات.
فلولا هذا الملاحم بين مختلف الأسلاك و الشعب، لا كانت الحصيلة أكبر و أكثر.
لكن إخماد النار لا يعني نهاية المعركة. فالمرحلة القادمة لا تقل أهمية عن لحظة المواجهة نفسها. هناك عائلات تحتاج إلى المرافقة، ومصابين يحتاجون إلى متابعة، ومناطق تحتاج إلى إعادة تأهيل، وغابات تحتاج إلى حماية واسترجاع، وأضرار تحتاج إلى حصر ومعالجة. كما أن الوقاية من تكرار مثل هذه الكوارث تظل مسؤولية جماعية تتطلب اليقظة، والتخطيط، والتدخل المبكر، والتعامل الصارم مع كل ما يمكن أن يهدد الثروة الغابية وحياة المواطنين.

لقد كشفت الحرائق عن حجم الخسارة، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن حجم القوة الكامنة في المجتمع الجزائري. فالأرض قد تسوّدها النيران، والأشجار قد تتحول إلى رماد، لكن روح التضامن لا تحترق.

من جيجل إلى بجاية و إلى سكيكدة، ومن الولايات التي مستها الحرائق، كانت الرسالة واحدة: عندما تحترق منطقة من الجزائر، تتحرك الجزائر كلها.

ولهذا، فإن جيجل اليوم ليست مجرد صورة لغابة أكلتها النيران، ولا مجرد أخبار عن خسائر وآثار مؤلمة. إنها أيضاً صورة لرجال وقفوا في وجه اللهب، ولمواطنين فتحوا قلوبهم وبيوتهم، ولمؤسسات سخّرت إمكاناتها، ولجيش وحماية مدنية وأطقم صحية وسلطات محلية واجهت المحنة كل من موقعه.

قد يبقى الرماد شاهداً على قسوة النار، لكن الكرامة تبقى شاهدة على معدن الإنسان الجزائري و إرادته.

Exit mobile version