الإفتتاحية: بقلم : جمال بن علي
إن قرار الجزائر بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية يُعدّ قراراً حاسما، جاء بعد تراكم طويل من المؤامرات الخسيسة من أباطرة الحروب و الفتن في هذه الدويلة التي جعلت استمرار العلاقة في شكلها السابق أمراً بالغ الصعوبة.
فالجزائر، التي تعرف جيداً معنى السيادة وتدرك حجم المخاطر التي يمكن أن تصنعها التدخلات الخارجية في محيطها الإقليمي، لم تصل إلى هذه الخطوة إلا بعدما استنفدت كما أعلنت سبل معالجة الخلافات بالوسائل الدبلوماسية.
وإذا كان عنوان هذه المرحلة هو «قطع دابر الشيطان»، فإن المقصود ، قطع الطريق أمام كل مشروع يقوم على زرع الفتن، وتوسيع دوائر النفوذ المافياوي القائم على سفك الدماء و نهب الثروات، واستثمار الانقسامات، وتحويل الأزمات العربية والإفريقية إلى ساحات للصراع بالوكالة ،خدمة لأجندة صهيونية.
لقد أصبح الدور الإماراتي خلال السنوات الأخيرة محل جدل واسع في أكثر من أزمة إقليمية، من السودان إلى ليبيا، ومن اليمن إلى بعض دول الساحل، وسط أدلة متكررة بالتدخل ودعم أطراف متصارعة، وهي ادلة لم تنفيها أبوظبي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى متى يمكن للدول أن تتعامل مع محيطها بمنطق النفاق الدبلوماسي ، عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية؟ فالجزائر لا تساوم و لا تهادن.
في السودان، تحولت الحرب الأهلية التي أشعلتها إمارات الشيطان إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، وتلاحقت الأدلة بشأن الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، بما في ذلك الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، . وفي ليبيا، لم يكن التدخل الإماراتي بعيداً عن تعقيدات المشهد الذي حوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
أما الساحل، فالقضية بالنسبة للجزائر أكثر حساسية، لأن أمن مالي والنيجر وليبيا وموريتانيا ومنطقة الساحل عموماً يرتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي .
فالجزائر لا تنظر إلى الساحل باعتباره حديقة خلفية لأحد، ولا تقبل أن تتحول حدودها الجنوبية إلى منطقة نفوذ أو منصة لمشاريع مشبوهة و هدامة تهدد استقرار المنطقة. لقد دفعت الجزائر ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب، وتعرف أكثر من غيرها كيف تبدأ الفوضى: تبدأ بفكرة، ثم بتمويل، ثم بسلاح، ثم بميليشيات، وتنتهي بدولة منهكة وشعوب تدفع الثمن.
ومن هنا فإن ما يحدث في محيط الجزائر لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن عقيدتها الدبلوماسية، الجزائر دولة لا تبحث عن المواجهة، لكنها لا تقبل أن يُفرض عليها موقع في مواجهة لم تخترها، وهي دولة تؤمن بالحوار، لكنها تؤمن أيضاً بأن الحوار لا يعني التنازل عن السيادة، وأن حسن الجوار لا يعني التسامح مع ما يمكن أن يمس الأمن القومي.
والأخطر من الحروب المباشرة هو ذلك النوع من الحروب الذي لا تُرفع فيه الرايات، ولا تُعلن فيه المعارك، وإنما تُستخدم فيه الأموال والإعلام المضلل وشبكات النفوذ والتهريب والميليشيات لتغيير موازين القوى من وراء الستار.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن شبكات المخدرات والجريمة المنظمة وتهريب الأموال والسلاح في المنطقة تفوح دائما منه رائحة إمارات الفتن و الخراب.
لقد اختارت الجزائر اليوم أن ترسم خطاً واضحاً: العلاقات بين الدول تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة، وليس على زرع الدمار والضغوط ومحاولات صناعة الأزمات.
إن قطع العلاقات الدبلوماسية ، لها حساباتها، والسياسة لها قواعدها، والأمن القومي لا يخضع للعاطفة.
لقد قالت الجزائر كلمتها، ومن يعرف الجزائر يعرف أن هذه الدولة قد تصبر طويلاً، وقد تفتح أبواب الحوار مرات ومرات، لكنها عندما يتعلق الأمر بالسيادة والأمن القومي فإنها لا تسمح لأحد بأن يختبر حدود صبرها.
«قطع دابر الشيطان» هو، في نهاية المطاف، قرار بوضع حد لكل ما يمكن أن يهدد استقرار الجزائر أو العبث بمحيطها الاستراتيجي، ورسالة واضحة لكل من يعتقد أن الجزائر يمكن أن تكون ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين: الجزائر ليست للبيع، وسيادتها ليست للمساومة، وأمنها القومي ليس ورقة في لعبة المغامرين.أيها الأزلام لقد نفذ رصيدكم.
ومن أراد علاقة مع الجزائر، فليأتِ إليها من باب الندية والاحترام والسيادة المتبادلة، أما من أراد أن يجعل منها رقماً في حساباته الإقليمية، فليتذكر أن للجزائر تاريخاً طويلاً في قول «لا» عندما تصبح «نعم» خيانة لمبادئها.
لقد انتهى زمن الصمت حين يكون الصمت مكلفاً، وحان وقت أن تُقال الكلمة كاملة: قطع دابر الشيطان، دفاعاً عن الجزائر، وعن سيادتها، وعن أمنها، وعن حقها في أن تختار وحدها من يصادقها ومن يختلف معها، وكيف تدير علاقاتها مع الآخرين، فلا نامت أعين الجبناء ،فالجزائر ليست مجرد وطن إنها تاريخ يصنع الذاكرة، و جغرافيا تصنع القوة ، وجيش يحمي السيادة، و شعب لا ينحني ولا يقهر.
