
بقلم ق.ع
بطلب من الجزائر، عقد مجلس الأمن الجمعة اجتماعا رفيع المستوى لمناقشة التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في غزة. جاء هذا الاجتماع في ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر وتفاقم الأوضاع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث ألقى وزير الخارجية الجزائري كلمة حازمة وقوية أكد فيها أن العالم يقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التأجيل أو التسويف.
واستهل الوزير أحمد عطاف كلمته بتوجيه الشكر لرئيس الجلسة، الوزير الأول السلوفيني، وللأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مشيرًا إلى أن الجزائر دعت لهذا الاجتماع لتسليط الضوء مجددًا على “الإبادة الجماعية المتواصلة في غزة” منذ ما يقرب من سنة كاملة . وشدد على أن هذه الإبادة لم تعد قضية محلية أو إقليمية فحسب، بل أصبحت تهدد الأمن والاستقرار العالميين. وأشار إلى أن المجتمع الدولي، وعلى رأسه مجلس الأمن، يتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية وإنسانية أمام هذه الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين.
وأضاف الوزير: “لقد اجتمع مجلس الأمن عشرات المرات منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، وأسفرت هذه الاجتماعات عن اعتماد قرارين فقط يطالبان بوقف إطلاق النار، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يعر أي اعتبار لهذين القرارين.” بل على العكس، أضاف الوزير، استمر المحتل في ممارساته الإجرامية وتوسعه الاستيطاني دون رادع، وهو ما يطرح تساؤلات محورية حول مصداقية المجتمع الدولي وقدرته على حماية القوانين الدولية.
وأعرب وزير الخارجية عن استياء الجزائر من التساهل الدولي تجاه جرائم إسرائيل، متسائلا “إلى متى سيستمر الاحتلال الإسرائيلي في التمتع بنظام خاص من اللامساءلة واللامحاسبة؟” كما أكد أن هذا التساهل ليس فقط خطيرًا على الشعب الفلسطيني، بل يفتح الباب أمام تفجير الأوضاع في الشرق الأوسط برمته، إذ امتدت الجرائم الإسرائيلية مؤخرًا إلى لبنان، وسوريا، واليمن، وإيران، مما ينذر بنشوب حرب إقليمية شاملة.
كما وصف الوزير الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة ولبنان بأنها “تتجاوز الوصف الدبلوماسي والسياسي والقانوني”، مؤكدًا أن “الهمجية التي شهدناها هي ببساطة لا حضارية ولا أخلاقية ولا إنسانية”. وأعرب عن استغرابه من موقف مجلس الأمن الذي سبق وأن لجأ إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لفرض العقوبات في حالات أقل خطورة بكثير مما يجري اليوم في غزة ولبنان.
وأكد الوزير أن مواصلة إسرائيل لنهجها الإجرامي، دون أي تحرك جدي من المجتمع الدولي، لن يؤدي إلا إلى ترسيخ هيمنة الاحتلال وتوسعه بالقوة، مما سيدفع بالمنطقة إلى مصير لا يمكن التنبؤ بعواقبه. وقال بلهجة تحذيرية: “الإبقاء على وضع كهذا يعني الرهان على الأسوأ، والرهان على تكريس واقع الاحتلال والتوسع بالقوة.”
وفي ختام كلمته، شدد الوزير على أن الشعب الفلسطيني ومعه الشعوب العربية لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون من مجلس الأمن أن يتحمل مسؤوليته لوقف الجرائم المستمرة، وللضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وللتأكيد على الالتزام بالقانون الدولي. وأضاف: “إن القضية الفلسطينية ستبقى أعدل قضية على وجه الأرض، ولن تزيد هذه الجرائم الشعب الفلسطيني إلا عزماً على استرجاع حقوقه الوطنية المسلوبة.”
وتعكس هذه الكلمة، التي وصفها الكثيرون بالقوية والحازمة، موقف الجزائر الثابت والداعم للقضية الفلسطينية، كما تعبر عن استيائها الشديد من ازدواجية المعايير التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع الكيان الصهيوني. كما يبعث هذا الاجتماع، الذي طلبته الجزائر في هذا التوقيت المهم وعلى هامش النقاش العام رفيع المستوى الجمعية العامة، برسالة واضحة: أن الصمت الدولي لم يعد مقبولًا، وأن تجاهل الجرائم الإسرائيلية سيؤدي إلى نتائج كارثية لا يمكن احتواؤها.


