ما يجب أن يقال.. دوائر الظل وحرب المصالح العالمية

ما حدث في العراق وأفغانستان وما يحدث الآن في لبنان وتونس ومصر، ضف إلى ذلك التدخل السافر للإدارة الأمريكية في هذه الأحداث، تارة بالغزو العسكري وتارة بحجة الحريات وحماية حقوق الإنسان، وتارة أخرى بحجة نشر الديمقراطية، كلها عوامل تجعل المتمعن الجيد في هذه الأحداث قبلها وبعدها يتأكد بأن هناك مشكلة أكبر تتعدى بكثير حدود البيت الأبيض الأمريكي، والحقيقة أنها صورة من صور تحالفات قوى كبيرة متصلة ومتشعبة تؤثر في الحوادث على الساحة العالمية وعبر كل الحدود دون أي نوع من أنواع المساءلة الدستورية أو القانونية والسياسية.
تعددت الوسائل العسكرية وغيرها والنتيجة واحدة، وتسريبات ويكيليكس خير دليل على تنوع الأدوات الهدامة للسياسة الأمريكية.
إن تاريخ البشرية على طول امتداده عرف أنواعا من القوي الخفية تتحكم في القصور الرئاسية أو بين هذه القصور وقصور غيرها في بلدان العالم.
لكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي وزوال الثنائية القطبية، شهد تطورا كيفيا في علم القوى الخفية التي تملك وتحكم داخل الأوطان، وتوجه وتحرك خارجها، ولعل هذا منا حذر منه الرئيس الأمريكي السابق “ايزنهاور”حين حذر من خطر ما أسماه المجمع العسكري الصناعي على الولايات المتحدة سواء في سياستها الداخلية أو سياستها الخارجية.
إن الحديث هنا ليس عن اعمال التجسس، فتلك ظاهرة قديمة، ولا عن تدابير الاغتيالات ولا عن تدبير الانقلابات فهذه أيضا ليس فيها جديد، وإنما الحديث عن العمل السري على مستوى امبراطوري وعلى اتساع العالم، وفي الظلام بعيدا عن أي مسؤولية أو أي حساب.
إن الظاهرة التي نتعرض اليها اتخذت لنفسها شكلا مؤسسيا، وتعاقديا عبر العالم وعبر الشركات المتعددة الجنسيات والتي يحكمها ويسيرها صقور الإدارة الأمريكية والتي تجعل مصالحها فوق كل اعتبار ولها نفوذ وسلطة في كل دولة تجد فيها مصالحها وترفع بها حجم ثرواتها.
إن غزو العراق وما ترتب عنه من خراب ودمار وتنصيب سلطة على رأسه ولا ولاء لها سوى لأمريكا، هو إنذار بأن رياح التغيير في العلام العربي قد بدأت من شبه الجزيرة العربية، حيث أهم الموارد الاستراتيجية وهو البترول والغاز التي اصبحت تحت رحمة مصالح عالمية واسعة بعد غزو العراق.
وبعد دراسات أعدتها مخابر دوائر الظل وبتمويل من الشركات البترولية الأمريكية الكبرى، قررت الولايات المتحدة الأمريكية حسب الكثير من المحللين انتهاج استراتيجية الفوضى الخلاقة في بعض الدول التي لها فيها مصالح اقتصادية كبرى أو الدول التي تهدد مصالحها الحيوية في المنطقة وهذا عبر التدخل غير المباشر في اتخاذ القرارات المصيرية.
بهذه الدول أمريكا تعرف أن الشعوب العربية تواقة إلى الديمقراطية والحرية، وأنها تئن من بطش الدكتاتوريات والمفسدين،فبدل أن تشن حروبا لاقتلاع الطغاة والاستيلاء على الثروات، وتغيير خارطة العالم العربي، تزرع البلبلة والفوضى بتسريبات مفتعلة واستغلال فضاءات إعلامية للترويج لسياستها البديلة وتقسيم العالم العربي، وما يحدث حاليا في العلام العربي من حالة فوضى ولا استقرار هو نتاج هذه السياسة، سياسة دوائر الظل من أجل مصالح اقتصادية محضة.
إن زوال الأنظمة العربية المتعفنة مطلب كل الشعوب ومحاكمة المفسدين ومن نهبوا ثرواتها حق علينا إلى يوم الدين، لأن سياسة حكامنا الميامين التي خنقت فكرة العدالة الاجتماعية وأخطأت في فهم الشعوب، هي السياسة التي استغلتها القوى الخفية لإسقاط الأنظمة المتعفنة، هذه الأنظمة لم تسقط فحسب وإنما جاء سقوطها بطريقة مهينة لم تحدث بهذا الشكل لأي نظام عربي.



