حين يسقط القناع و تنكشف النوايا الخبيثة: وثائقي فرنسي بلسان الحقد وأدوات العمالة

حين يسقط القناع، لا يعود السؤال عمّا قيل، بل عن سبب قوله في هذا التوقيت، وعن النوايا الخبيثة التي وقفت خلفه. هذا تمامًا ما يكشفه الروبورتاج الأخير تحت عنوان” مكمل للتحقيق’ الذي بثته قناة فرانس تليفزيون france2عن الجزائر، والذي بدا أقرب إلى لائحة اتهام جاهزة و حملة تضليل و تشويه منه إلى عمل صحفي متوازن. لم يكن الأمر خطأً مهنيًا عابرًا، بل اختيارًا واعيًا للتموضع في خانة العداء، من خلال منح الكلمة لوجوه معروفة بعدائها للدولة الجزائرية، وتقديمها زورًا على أنها شهود أو خبراء.
هذا الفيلم الوثائقي إن صحت التسمية؟! لم ينطلق من الواقع ، ولا من تنوع الآراء حول الموضوع ، بل من هامش مصطنع جرى تضخيمه و إخراجه في مكاتب الفتنة والإبتزاز الدبلوماسي و الأمني لخدمة سردية واحدة. هكذا يتحول الصحفي إلى مخرج سياسي و عميل مأجور، وتتحول المهنة من نقل للوقائع إلى تصفية حسابات إعلامية و سياسية حاقدة. فالغاية لم تكن الإخبار، بل التشويه ونزع البلبلة.
الأخطر ليس ما عُرض، بل من أُعطي حق الحديث. تسجيلات مع أعداء معلنين للوطن، أو مع أبواق فقدت كل التزام أخلاقي، تعيش على خطاب الكراهية والانتقام.و تضليل الرأي العام و تقديم هؤلاء الخونة و البيادق و شهود الزور على أنهم مرآة للمجتمع الجزائري ليس فقط تزويرًا للحقيقة، بل إهانة صريحة لذكاء المشاهد. فالتعدد لا يعني احتكار الكلمة من طرف خصوم الدولة، والتوازن لا يتحقق بإقصاء كل صوت وطني.
الجزائر ليست مادة إعلامية معزولة عن سياقها التاريخي والجيوسياسي. إنها دولة وُلدت من رحم ثورة عظيمة ، وقدمت مليونًا ونصف المليون شهيد دفاعًا عن سيادتها. وهي تدرك أن معارك اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل رمزية وإعلامية. تجاهل هذا السياق، أو القفز عليه عمدًا، ليس سوى استمرار لنظرة استعمارية قديمة بلباس إعلامي جديد.
الجزائر لا تدّعي الكمال، ولا تصادر حق النقد، بل تعتبره ضروريًا حين يكون مهنيًا ونزيهًا. غير أن الفرق شاسع بين نقد مسؤول يسعى للفهم والإصلاح، وبين تشويه ممنهج و شتم لرموز الوطن. بأسلوب رخيص يُبنى على انتقائية المصادر وتوجيه الاتهام مسبقًا. ما قدمته فرانس تليفزيون ،،france2يندرج بوضوح في الصنف الثاني.
السقوط الحقيقي في هذا الفيلم الوثائقي هو سقوط القناع عن خطاب إعلامي يدّعي الاستقلالية بينما يمارس الانحياز. حين يصبح الصحفي ناشطًا، وحين يتحول التحقيق إلى أداة ضغط سياسي، و إبتزاز حقير، نكون أمام دعاية لا إعلام.
أما الجزائر، فتبقى أكبر من روبورتاج، وأعمق من تقرير، وأقوى من حملات عابرة و مدفوعة الثمن من أعداء الجزائر من دوائر الظل و وأبواق اليمين المتطرف من أنصار فرنسا الإستعمارية، فالأوطان لا تُقاس بضجيج أعدائها، بل بصلابة تاريخها ووعي شعبها. وحين يسقط القناع، تبقى حقيقة واحدة: الجزائر باقية، والضجيج إلى زوال.



