على حافة الانفجار الكبير: هل يشعل العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟

لا يمكن فهمه العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران ، من زاوية عسكرية ضيقة فقط. فالمسألة ترتبط بسياق جيوسياسي أوسع يتصل بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، والتحكم في مسارات الطاقة، وإعادة هندسة التحالفات الإقليمية، ومنع بروز قوة إقليمية فاعلة خارج المنظومة الغربية. إنها معركة على تحديد شكل النظام الإقليمي المقبل ومن يضع قواعده.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم Joint Comprehensive Plan of Action، دخلت العلاقات بين واشنطن وطهران مرحلة “الضغط الأقصى”. لم يعد الملف النووي مجرد قضية منع انتشار، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية لاحتواء النفوذ الإيراني الممتد في العراق وسوريا ولبنان واليمن. الهدف لم يكن فقط منع امتلاك قدرات نووية محتملة، بل إعادة ضبط ميزان القوة في الإقليم بأكمله.
بالنسبة لإسرائيل، تمثل إيران التهديد الاستراتيجي الأول. فالعقيدة الأمنية الإسرائيلية لا تنظر إلى طهران من زاوية برنامجها النووي فحسب، بل من زاوية شبكتها الإقليمية وتحالفاتها العسكرية بالقرب من حدودها. لذلك اعتمدت سياسة الضربات الاستباقية ومنع التموضع الإيراني في الساحات القريبة، لتفادي تحوّل هذا النفوذ إلى واقع استراتيجي دائم.
جيوستراتيجيًا، تحتل إيران موقعًا محوريًا بإشرافها على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وأي مواجهة واسعة قد تؤدي إلى اضطراب إمدادات النفط والغاز وارتفاع الأسعار عالميًا، ما يمنح طهران ورقة ضغط غير تقليدية. كما أن امتداد نفوذها الإقليمي يوفر لها عمقًا عملياتيًا قد يحوّل أي صدام مباشر إلى مواجهة متعددة الجبهات في المشرق والخليج.
في المقابل، تسعى واشنطن إلى تثبيت منظومة أمنية إقليمية جديدة تقوم على التطبيع والتنسيق الأمني العربي-الإسرائيلي برعاية أمريكية. وفي هذا الإطار يُنظر إلى إضعاف إيران كشرط لترسيخ اصطفاف موالٍ للغرب وضمان التفوق النوعي لإسرائيل، ودمجها بصورة أوسع في البنية الاقتصادية والأمنية للمنطقة.
غير أن ميزان القوى ليس أحادي الاتجاه. فالتقارب الإيراني مع قوى دولية كبرى، والحضور الروسي في سوريا، وتعقيدات المشهد في العراق ولبنان واليمن، تجعل أي مواجهة شاملة مغامرة عالية الكلفة. لذلك تبدو الاستراتيجية السائدة حتى الآن قائمة على “الحرب دون حرب”: ضربات محدودة، عمليات استخباراتية، عقوبات اقتصادية، وحرب سيبرانية، مع الحرص على عدم الانزلاق إلى حرب تقليدية مفتوحة.
يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن لأي عدوان واسع أن يعيد رسم الشرق الأوسط وفق رؤية أمريكية-إسرائيلية، أم أنه سيفتح الباب أمام فوضى استراتيجية تعيد توزيع موازين القوة بطرق غير متوقعة؟ المنطقة تقف اليوم بين منطق الردع ومنطق الانفجار، حيث قد يكفي خطأ في الحسابات لإشعال لحظة مفصلية تعيد تشكيل خريطة الإقليم من جديد.



