الحروب الحقيقية لأمريكا… الأسباب الواهية والنوايا الخفية

بقلم جمال بن علي
منذ منتصف القرن العشرين، لم تكن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة مجرد ردود أفعال تكتيكية معزولة، بل كانت محطات مفصلية أعادت رسم خرائط النفوذ وأعادت ضبط موازين القوة عالميًا. ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري قائمًا: هل خيضت هذه الحروب دفاعًا عن قيم إنسانية كبرى كما يُعلن رسميًا، أم حمايةً لمصالح استراتيجية،و نهب للثروات تخفيها لغة الخطاب الأخلاقي؟
في فيتنام، صُوّر التدخل الأمريكي باعتباره ضرورة لمواجهة الشيوعية ومنع سقوط آسيا في قبضة المعسكر الشرقي. كان الخطاب يدور حول حماية “العالم الحر”. لكن في العمق، كانت المسألة تتعلق بالهيبة والمصداقية في سياق الحرب الباردة أمام الاتحاد السوفيتي والصين. انتهت الحرب بانسحاب مؤلم، وتصدّعت صورة القوة التي لا تُهزم، فيما دفعت الشعوب أثمانًا باهظة.
في الصومال، جاء التدخل في تسعينيات القرن الماضي تحت عنوان إنساني لإنقاذ المدنيين من المجاعة والفوضى. غير أن العمليات تحولت إلى مواجهة عسكرية في شوارع مقديشو، ومع تصاعد الخسائر تراجع القرار السياسي سريعًا. المثال الإنساني اصطدم بحسابات الداخل الأمريكي، لتتكشف حدود الشعارات عندما ترتفع الكلفة.
أما غزو العراق عام 2003 فكان فصلًا أكثر خطورة. المبرر تمثل في “أسلحة الدمار الشامل” والحرب على الإرهاب، ووُضع صدام حسين في قلب سردية التهديد العالمي. لكن تلك الأسلحة لم تُعثر عليها. بدلًا من ذلك، انهارت مؤسسات الدولة واندفعت البلاد نحو فوضى وصراعات إقليمية. خلف العناوين المعلنة، برزت اعتبارات الطاقة، وترتيب المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وترسيخ التفوق الاستراتيجي.
واليوم، يتكرر المشهد مع التصعيد ضد إيران بمشاركة الكيان الصهيوني العنوان المعلن هو منع الانتشار النووي والصواريخ الباليستية وضمان الاستقرار الإقليمي. أما في العمق، فتتشابك حسابات أمن الطاقة، وتأمين طرق الملاحة، واحتواء النفوذ الإقليمي، ومنع تشكل توازنات دولية بديلة. إنها ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على شكل النظام الدولي المقبل.
وغالبًا ما يُقدَّم هذا كله ضمن إطار “الدفاع عن الحضارة الغربية”، فيتحول الصراع السياسي إلى خطاب حضاري شامل. غير أن الحضارات ليست كتلًا صلبة متجانسة، ولا تختزل في سياسات حكوماتها. الحضارة الغربية نفسها تضم إنجازات فكرية وعلمية وقانونية كبرى، لكنها تحمل أيضًا تناقضات وصراعات داخلية.
قضية جيفري إبستين كشفت الوجه الأخر لهذه الحضارة و كشفت شبكات نفوذ امتدت إلى دوائر سياسية ومالية نافذة، وأظهرت كيف يمكن للسلطة والمال أن يتشابكا خلف الأبواب المغلقة. لم تكن تلك الفضيحة سقوط حضارة، بل كشفًا للتناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسات الخفية. والمفارقة أن فضحها جاء عبر مؤسسات صحفية وقضائية من داخل نفس المنظومة، ما يعكس أن الصراع الحقيقي كثيرًا ما يكون داخليًا بين الشفافية والمساءلة من جهة، وتغوّل المصالح من جهة أخرى.
هنا تتجلى النوايا الخفية: حين تُرفع القيم في العلن، بينما تُدار الحسابات الاستراتيجية في الخفاء، تتحول الحرب إلى أداة لإعادة تشكيل النفوذ أكثر مما هي دفاع عن مبادئ. الأسباب الواهية ليست دائمًا اختلاقًا كاملًا، بل تضخيمًا أو انتقاءً لجزء من الحقيقة لتبرير قرار تم اتخاذه سلفًا.
من فيتنام إلى العراق، ومن الصومال إلى إيران، يتكرر النمط ذاته: خطاب أخلاقي في الواجهة، ومصالح صلبة في العمق، ونوايا خفية ترسم مسار الأحداث. والتاريخ، حين يُكتب بعيدًا عن الضجيج، يسجل أن الكلفة الكبرى يدفعها المدنيون والشعوب و المستفيد الأول من عبتية هذه الحروب هو المجمع الصناعي الأمريكي، بينما تظل القوة خاضعة في النهاية لحكم الزمن وتقلباته.



