حربٌ بلا لغة دولة… من يحكم البيت الأبيض: الاستابليشمنت أم الأوليغارشيا؟

مايجب أن يقال: بقلم جمال بن علي
في خضم حرب جارية مع إيران، لم يعد أخطر ما في المشهد الصواريخ بقدر ما أصبح اللغة التي تسبقها. لغة الوعيد، التهديد، والألفاظ السوقية التي يكررها دونالد ترامب، لم تعد مجرد انزلاق لفظي، بل تحولت إلى نهج حكم يختزل الدولة في خطاب صدامي، ويدفع بالعالم نحو حافة الانفجار.
غير أن السؤال اليوم لم يعد فقط عن هذا الانفلات، بل عمّن يقف خلف القرار. هل ما زالت مؤسسات “الاستابليشمنت” التقليدية—الكونغرس، البنتاغون، والأجهزة الاستخباراتية—تمسك بخيوط التوازن؟ أم أننا أمام تحوّل أعمق، حيث تتقدم “الأوليغارشيا” لتحتل موقع القيادة الفعلية في واشنطن؟
حين يُطرح اسم جاريد كوشنر في قلب صناعة القرار، لا يمكن اعتباره مجرد مستشار عادي. فالرجل القادم من عالم المال والعقارات، تحوّل إلى فاعل رئيسي في ملفات حساسة، من الشرق الأوسط إلى العلاقات الدولية. وهنا يبرز التساؤل: هل نحن أمام دبلوماسية مؤسسات، أم دبلوماسية شبكات مصالح؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فصعود أسماء من عالم الأعمال والعقار، مثل ستيف ويتكوف، إلى دوائر التأثير، يعزز الانطباع بأن القرار السياسي لم يعد حكراً على رجال الدولة، بل أصبح مفتوحاً أمام من يملكون النفوذ المالي والعلاقات الشخصية. في هذه الحالة، تختلط السياسة بالبيزنس، وتصبح الحروب نفسها جزءاً من حسابات معقدة لا تخضع دائماً لمنطق الدولة.
هذا التحول—إن صح—يطرح إشكالية عميقة: عندما تتراجع المؤسسات، وتتقدم الشبكات الخاصة، من يضمن استقرار القرار؟ ومن يضع الحدود بين المصلحة الوطنية والمصلحة الخاصة؟
في المقابل، يبدو ما يُعرف بالاستابليشمنت في الولايات المتحدة وكأنه في موقع المتفرج، أو على الأقل في حالة عجز عن فرض التوازن. فالإقالات المتتالية، والتقلب في المواقف، يعكسان صراعاً داخلياً لم يُحسم بعد بين منطق الدولة ومنطق النفوذ الشخصي.
وفي هذا السياق، تعود تصريحات جون بولتون لتكتسب بعداً جديداً، إذ لم تعد مجرد توصيف لشخص، بل مدخلاً لفهم نمط حكم قائم على الفردنة، وربما على تحالفات خارج الإطار المؤسسي التقليدي.
أما دولياً، فإن تهميش الأمم المتحدة وعجز مجلس الأمن عن كبح هذا المسار، يكشفان أن الأزمة تجاوزت حدود واشنطن، لتصبح أزمة نظام دولي بأكمله.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط الحرب، بل الطريقة التي تُدار بها: خطاب منفلت، قرار متقلب، واحتمال أن تكون الأوليغارشيا—لا المؤسسات—هي من تمسك بالخيوط. وعندما يحدث ذلك، لا تعود السياسة فن إدارة الأزمات، بل تتحول إلى مقامرة مفتوحة.
وبين ضجيج التهديد وصمت المؤسسات، يبقى السؤال معلقاً: هل ما زالت هناك دولة في واشنطن… أم أن الدولة نفسها أعادت تشكيلها مصالح ونفوذ لا تعترف إلا بالقوة؟



