ترامب و الخليج .. دبلوماسية الإستعلاء و الابتزاز

ما يجب أن يقال : بقلم جمال بن علي
لم يكن التصريح الأخير لدونالد ترامب، الذي استخدم فيه عبارات سوقية ومهينة عند حديثه عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مجرد زلة لسان عابرة، بل يعكس نمطًا متكررًا في خطابه السياسي يقوم على الاستفزاز وكسر قواعد اللياقة الدبلوماسية.
فعندما ينحدر الخطاب السياسي إلى هذا المستوى، لا يعود الأمر مرتبطًا بمضمون الكلام فحسب، بل يكشف عن ذهنية سياسية تُفضّل الإثارة على الرصانة، والاستعراض على الحكمة. وهو ما يمثل انتقالًا واضحًا من منطق رجال الدولة إلى منطق الخطاب الشخصي القائم على الإهانة والتقليل من الآخر.
إن استحضار مفردات قريبة من أجواء فضائح جزيرة إبستين يطمس الحدود بين السلطة والفضيحة، وبين النفوذ والانحراف، ويعطي صورة مقلقة عن القيادة السياسية، حيث تُستبدل الهيبة بالابتذال، والتواصل الاستراتيجي بالخطاب العدائي.
لطالما تعامل ترامب مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقات، حيث تُختزل التحالفات في حسابات مصلحية ضيقة، ويتحوّل الشركاء إلى أطراف تابعة. وفي ظل هذا النهج، يتراجع مبدأ الاحترام المتبادل، وهو أحد أسس العمل الدبلوماسي، ليحل محله خطاب الهيمنة المجردة.
والأخطر أن هذا النوع من التصريحات لا يأتي في فراغ، بل يتزامن غالبًا مع أجواء توتر دولي متصاعدة، حيث تصبح الكلمات مقدمة للصراعات. فالتاريخ يثبت أن الحروب لا تبدأ بالسلاح فقط، بل تُمهَّد لها الطريق عبر خطاب منفلت وغير مسؤول.
لقد اعتاد العالم، رغم الخلافات، على حد أدنى من الانضباط في لغة القادة، لكن ما نشهده اليوم يمثل خروجًا عن هذا التقليد، وانزلاقًا نحو خطاب تحكمه الانفعالات بدل الحسابات الاستراتيجية.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بشخص ترامب وحده، بل بطبيعة التحول الذي يشهده النظام الدولي. فإذا أصبحت الإهانة أداة سياسية مقبولة، فإننا نكون أمام مرحلة جديدة تتراجع فيها الدبلوماسية لصالح الفوضى، حيث تُكتب مقدمات الحروب بلغة لا تختلف كثيرًا عن تلك التي فجّرت هذا الجدل.



