مجلس السلام أم مجلس الأمن الجديد؟..إعادة إعمار غزة أم إعادة تشكيل خريطة العالم ؟

بقلم : جمال بن علي
يُروَّج اليوم لما يُسمّى بـ«مجلس السلام» على أنه مبادرة دولية جديدة هدفها المعلن إعادة إعمار غزة وفتح أفق إنساني بعد واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في التاريخ الحديث للمنطقة. في الظاهر، يبدو المشروع استجابة متأخرة لضمير عالمي مثقل بصور الدمار والمعاناة البشرية، غير أن التمحيص في خلفياته وتركيبته البشرية والسياسية يكشف أن الأمر يتجاوز بكثير فكرة الإعمار، ليدخل في نطاق إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في المنطقة والعالم.
مصدر القلق الحقيقي لا يكمن في الشعارات، بل في الأسماء المرتبطة بالمشروع. فعندما يبرز جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إلى جانب شخصيات أمريكية نافذة قادمة من عوالم المال والعقار والاستثمار الجيوسياسي، لا يمكن للذاكرة السياسية أن تكون محايدة. كوشنر ليس اسمًا هامشيًا، بل كان أحد مهندسي ما عُرف بـ«صفقة القرن»، ذلك المشروع الذي سعى إلى تصفية القضية الفلسطينية بمنطق الصفقات لا بمنطق الحقوق. حضوره في أي إطار يدّعي السعي إلى السلام يفرض سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام مبادرة إنسانية حقيقية، أم أمام محاولة جديدة لإخضاع السياسة لمنطق السوق؟
في هذا السياق، لم تعد غزة تُرى فقط كأرض منكوبة بحاجة إلى إعادة بناء، بل تحوّلت إلى ساحة اختبار لنموذج جديد من الهيمنة. تُطرح إعادة الإعمار بلغة الاستثمار والفرص وإعادة التهيئة، لا بلغة العدالة وجبر الضرر وحق الشعوب في تقرير مصيرها. من سيموّل الإعمار؟ من سيشرف عليه؟ من يحدّد شكل المدينة وأولوياتها ومستقبلها؟ ومن سيملك الأرض بعد «إعادة إعمارها»؟ أسئلة تُترك بلا إجابات واضحة، وتُغلف بضبابية متعمدة تختلط فيها الإنسانية بالربح، والسلام بالوصاية.
الأكثر خطورة أن هذا «المجلس» يُراد له أن يعمل خارج الأطر التقليدية للشرعية الدولية. فهو لا يخضع للأمم المتحدة، ولا لقرارات الجمعية العامة، ولا لآليات المساءلة القانونية الدولية. إنه كيان مرن عابر للمؤسسات، يرفع راية السلام بينما يتحرك كقوة موازية، وربما بديلة، لمجلس الأمن الدولي، من دون حتى القيود المحدودة التي تكبّل هذا الأخير. وإذا كان مجلس الأمن متهمًا منذ عقود بالعجز والانحياز وهيمنة حق النقض، فإن البديل المطروح اليوم ينذر بخطر أشد: سلطة عالمية لا يحكمها القانون، بل المصالح، ولا يقيّدها التوازن الدولي، بل نفوذ المال والقوة.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام العالمي. تراجع دور الأمم المتحدة، وتفكك النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود تحالفات غير رسمية وغامضة، والانتقال من الجيوسياسة إلى الجيواقتصاد، كلها مؤشرات على إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته. لم تعد القوة حكرًا على الجيوش والأسلحة، بل باتت كامنة في التحكم في الإعمار، والطاقة، والممرات الاستراتيجية، وإعادة رسم الخرائط تحت غطاء إنساني ناعم.
غزة، في هذا المعنى، ليست الهدف الوحيد، بل البوابة. بوابة لإعادة ترتيب شرق المتوسط، والسيطرة على مفاصل استراتيجية حساسة، وإعادة هندسة المنطقة العربية بما يخدم مصالح قوى بعينها. إنه سلام مشروط، قد يوقف القصف لكنه لا ينهي الاحتلال، وقد يعيد بناء الحجر بينما يسلب الإنسان حقه في السيادة والقرار. سلام يُدار في غرف مغلقة، لا على موائد تفاوض عادلة وشاملة.
الخطر الحقيقي يكمن في تحويل هذا النموذج إلى سابقة. فإذا نجح، فسيُفتح الباب أمام خصخصة السلام، وتحويل إعادة الإعمار إلى آلية نهب منظّم، وإعادة رسم الخريطة الجيوستراتيجية بعيدًا عن إرادة الشعوب وخارج إطار القانون الدولي. عندها لن نكون أمام مجلس سلام، بل أمام مجلس وصاية، أو مجلس نهب متخفٍ في لغة إنسانية.
العالم اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تكون إعادة إعمار غزة فعل إنصاف تاريخي، يُدار ضمن شرعية دولية عادلة تضع الإنسان الفلسطيني في قلب القرار، وإما أن تتحول إلى حصان طروادة يجرّ المنطقة والعالم إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث تُصاغ أنظمة دولية جديدة فوق أنقاض المدن المدمّرة. ويبقى السؤال المؤلم مفتوحًا: هل يُعاد تشكيل العالم من تحت ركام غزة، من دون غزة وأهلها؟



