جزائر التحديات والإنجازات..

الإفتتاحية: بقلم جمال بن علي
في أقصى الجنوب الغربي للجزائر، حيث تمتد الصحراء بلا حدود، يتشكل اليوم أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في تاريخ البلاد المعاصر: منجم غار جبيلات ومشروع القطار المنجمي الذي يربطه ببقية الشبكة الوطنية. هذا المشروع لا يمكن فهمه كخيار تقني أو استثماري فقط، بل هو قرار سيادي يعكس تحولًا عميقًا في رؤية الدولة الجزائرية لثرواتها الطبيعية، ولموقعها الجغرافي، ولدورها الاقتصادي في عالم يشهد تغيرات متسارعة.

لعقود طويلة، ظل غار جبيلات رمزًا لثروة مؤجلة. احتياطات هائلة من الحديد تُعد من الأكبر عالميًا، لكنها بقيت غير مستغلة بسبب تعقيدات تقنية مرتبطة بطبيعة الخام، وغياب البنى التحتية الضرورية، وحسابات سياسية واقتصادية معقدة. اليوم، تعود الجزائر إلى هذا الملف بعقلية مختلفة، تعتبر أن التحديات التقنية لا تلغي الحق السيادي في الاستغلال، بل تستدعي الاستثمار في الحلول التكنولوجية وبناء شراكات تخدم المصلحة الوطنية.
في هذا السياق، يتجاوز القطار المنجمي وظيفته التقليدية كوسيلة نقل، ليصبح إعادة تعريف للعلاقة بين الجغرافيا والتنمية. شق سكة حديدية عبر الصحراء يعني كسر العزلة التاريخية عن مناطق الجنوب، وإدماجها في الدورة الاقتصادية الوطنية، وفتح آفاق جديدة للتنمية الصناعية والعمرانية. وهو ما يعكس انتقال الدولة من نموذج تنموي متمركز على الساحل إلى رؤية أكثر توازنًا للمجال الوطني، تصبح فيها الصحراء رافعة استراتيجية لا هامشًا
و سيجعل الجزائر قادرة على تحويل هذه الثروة إلى قيمة مضافة فعلية. التحدي الجوهري يكمن في تجاوز منطق تصدير المواد الخام، وبناء صناعة تحويلية وطنية قادرة على خلق الثروة، وتوفير مناصب عمل نوعية، وتعزيز النسيج الصناعي المحلي. .
ليتجاوز مشروع غار جبيلات بعده الاقتصادي ليحمل أبعادًا جيوسياسية واضحة. ففي عالم يتسم بتصاعد الصراع حول الموارد الاستراتيجية وسلاسل الإمداد، يمنح هذا المشروع الجزائر موقع فاعل لا مجرد مزود للمواد الأولية. الحديد هنا يتحول من مادة خام إلى أداة تأثير جيو-اقتصادي، تفتح آفاق شراكات مدروسة، وتعزز حضور الجزائر في الفضاءين الإفريقي والمتوسطي.
في المحصلة، يجسد منجم وقطار غار جبيلات جوهر معادلة جزائر التحديات والإنجازات. فالجزائر لا تنكر حجم الصعوبات، لكنها اختارت مواجهتها بدل تأجيلها. إنه مسار شاق لكنه ليس مستحيل بفضل رؤية الرئيس السيد عبد المجيد تبون البعيدة المدى، وحوكمته الدقيقة، التي ترتكز في برنامجه الإستراتيجي الذي يحمل في طياته فرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس أكثر صلابة وسيادة، بما يليق بحجم الجزائر وإمكاناتها.



