واشنطن والجزائر.. ورسائل مسعد بولس !! والبراغماتية المتزنة

رسالة أمريكا: بقلم مراد شبين
بينما تنشغل الصالونات الدبلوماسية في المنطقة بتفكيك شيفرات التحركات الأمريكية الأخيرة، جاء بيان مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترامب للشؤون العربية والإفريقية، أشبه برسالة سياسية متعددة الطبقات؛ لا تكتفي بوصف واقع العلاقات الجزائرية-الأمريكية، بل ترسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها العريض: “البراغماتية المتزنة” ومنطق “الكل رابح”.
فالبيان، الذي أعقب لقاءه بالسفير الجزائري صبري بوقادوم، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل نصاً سياسياً صيغ بعناية واضحة، يكشف كيف تنظر واشنطن اليوم إلى الجزائر: شريكاً استراتيجياً قائماً بذاته، لا ورقة ظرفية في “بازار” التوازنات الإقليمية.
المتأمل في هندسة البيان يلاحظ سريعاً أن الإدارة الأمريكية رتّبت أولوياتها بلغة المصالح لا المجاملات.
فقبل أي حديث عن الملفات السياسية الحساسة، بدأ البيان بالتذكير بـ”نجاح” التعاون العسكري مع الجزائر، ثم انتقل مباشرة إلى الأرقام الاقتصادية: أكثر من 120 شركة أمريكية تنشط في السوق الجزائرية.
ذلك الترتيب لم يكن اعتباطياً.
إنه رسالة واضحة مفادها أن العلاقة مع الجزائر لم تعد تُبنى على ردود الفعل السياسية العابرة، بل على قاعدة صلبة من المصالح الأمنية والاقتصادية المتبادلة.
فالجزائر، بالنسبة لواشنطن، ليست مجرد لاعب إقليمي في الساحل والمتوسط، بل شريك طاقة وسوق استثمار واستقرار جيوسياسي في منطقة تتآكلها الحرائق من كل الجهات. وفي المقابل، تدرك الجزائر أن توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع الولايات المتحدة يمكن أن يتم دون الارتهان السياسي التقليدي الذي طبع علاقات واشنطن بكثير من العواصم.
ومن اللافت أيضاً أن خطاب بولس خلا تقريباً من لغة الإملاءات التي طبعت مراحل سابقة من الخطاب الأمريكي في المنطقة. بل على العكس، حمل قدراً واضحاً من التقدير للدبلوماسية الجزائرية، واصفاً دورها بـ”الحيوي”.
وهذه ليست مجرد مجاملة دبلوماسية.
بل تعكس إدراكاً أمريكياً متزايداً بأن الجزائر في 2026 تتصرف وفق عقيدة خارجية قائمة على السيادة وتعدد الشراكات ورفض التموضع داخل المحاور الصلبة، وهو ما يفرض على واشنطن التعامل معها بمنطق الاحترام المتبادل لا بمنطق الوصاية السياسية القديمة.
ولعل أكثر ما يستوقف في البيان هو تموضع ملف الصحراء الغربية في خاتمته.
فهنا بالضبط تكمن الرسالة الأبرز.
إذ بينما سعت أطراف إقليمية إلى تقديم تلك الفقرة باعتبارها “جوهر اللقاء”، جاء ترتيبها في ذيل البيان ليقول شيئاً مختلفاً تماماً: إن العلاقة بين الجزائر وواشنطن لم تعد رهينة لهذا الملف، ولا تمر عبر بوابة أي طرف ثالث.
لقد بدا واضحاً أن واشنطن تحاول الفصل بين مسارين:
مسار الشراكة الثنائية الاستراتيجية، ومسار النزاعات الإقليمية التي ترى الجزائر فيها “قوة توازن وحل”، لا طرفاً مطلوباً منه الاصطفاف.
أما الأهم، فهو أن البيان استند صراحة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، بما يعكس تحولاً لافتاً مقارنة بـ”الترامبية الأولى” ذات النزعة التصادمية والاعترافات الأحادية.
فالعودة إلى مرجعية الأمم المتحدة تعني عملياً ثلاثة أمور أساسية:
* أولوية الشرعية الدولية على القرارات الأحادية.
* التأكيد على حل سياسي “مقبول من الطرفين”.
* والانتقال من لغة التغريدات والمنصات الرقمية إلى لغة القانون الدولي والقرارات الأممية.
وهو تحول يوحي بأن واشنطن باتت تميل إلى تبريد بؤر التوتر في المنطقة، لا إعادة إشعالها، سعياً لبناء شراكات أكثر استقراراً في شمال إفريقيا والساحل.
وحين ختم بولس بيانه بالقول: “لقد حان الوقت للتوصل إلى قرار”، بدا الأمر أقرب إلى إعلان رغبة أمريكية في طيّ ملفات الاستنزاف الإقليمي، والتفرغ لبناء شراكة أمنية واقتصادية أعمق مع الجزائر.
أما الرسالة الأخيرة، والأكثر هدوءاً وربما الأكثر تميّزا، فهي أن الجزائر تدخل هذه المعادلة من موقع مختلف تماماً عن كثير من شركاء واشنطن التقليديين.
فحتى في أسوأ السيناريوهات، لا تتحرك الجزائر من موقع الباحث عن حماية أو حزمة معونات مقابل تنازلات سياسية.
وهنا تحديداً تكمن قوة المقاربة الجزائرية: شراكة ممكنة… لكن دون ارتهان.



