الجزائر-النيجر.. تعاون استراتيجي وأمن قومي

مايجب أن يقال:بقلم:جمال بن علي
لم تعد النيجر بالنسبة إلى الجزائر مجرد دولة جارة تجمعها بها حدود طويلة ومصالح مشتركة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن القومي الجزائري، وامتداداً طبيعياً لعمقها الاستراتيجي في منطقة الساحل. ومن هنا، فإن وصول أربع مقاتلات جزائرية من طراز «سوخوي سو-30» إلى العاصمة نيامي، استجابة لطلب السلطات النيجرية، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد مساعدة عسكرية ظرفية، وإنما باعتباره رسالة سياسية وأمنية بالغة الدلالة.
الجزائر، تبدو اليوم أكثر اقتناعاً بأن حماية أمنها القومي تبدأ من حماية محيطها المباشر، وأن ترك الأزمات تتراكم على حدودها الجنوبية قد يجعل كلفة مواجهتها لاحقاً أكبر بكثير. لذلك فإن التحرك نحو النيجر يندرج في منطق الدفاع المتقدم والإاستراتيجية الأمنية الإاستباقية المبنية على الوقاية، أي منع الخطر قبل أن يصل إلى الحدود الجزائرية، وليس انتظار وصول تداعياته إليها.
فالنيجر هي عمق جغرافي وأمني بالغ الأهمية للجزائر، وأي اضطراب كبير في نيامي يمكن أن يفتح الباب أمام تمدد الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة والتهريب والإرهاب، ويزيد هشاشة منطقة الساحل بأكملها. ولذلك فإن استقرار النيجر يعني، في جانب كبير منه، استقرار الحدود الجنوبية الجزائرية.
واللافت في الخطوة الجزائرية أن المبادرة جاءت *بطلب من القيادة النيجرية*، وهو عنصر بالغ الأهمية في فهم طبيعة هذا التحرك. فالجزائر لم تفرض وجودها، ولم تتحرك خارج إرادة الدولة النيجرية، بل استجابت لطلب رسمي في ظرف أمني حساس. وهذا يمنح الخطوة بعداً سيادياً وقانونياً وسياسياً مختلفاً، ويجعلها تعبيراً عن شراكة دفاعية بين دولتين جارتين تواجهان تحديات أمنية مشتركة. وقد عبّر الوزير الأول النيجري محمد لمين الزين عن تقدير بلاده للدعم الجزائري، مؤكداً أهمية مساعدة النيجر في ضمان أمنها وسيادتها.
إن ظهور «سوخوي» الجزائرية في سماء نيامي يحمل، فوق بعده العملياتي، رسالة ردع واضحة: *أمن الساحل ليس فراغاً مفتوحاً أمام كل من يريد العبث باستقرار دوله، والجزائر لن تنظر إلى تهديد أمن جيرانها من موقع المتفرج.*فأمن النيجر من أمن الجزائر،
وهنا تحديداً تكمن أهمية التحول في العقيدة الأمنية الجزائرية: من انتظار الخطر إلى استباقه، ومن حماية الحدود فقط إلى حماية العمق الاستراتيجي الذي يحمي الحدود. فالحدود الجنوبية لا تُؤمَّن فقط بالانتشار العسكري داخل الأراضي الجزائرية، وإنما أيضاً عبر بناء شراكات أمنية قوية مع دول الجوار، وقطع الطريق أمام الأزمات قبل أن تتحول إلى تهديد عابر للحدود.
وليس إرسال المقاتلات حدثاً منفصلاً عن مسار التعاون الدفاعي بين الجزائر والنيجر. فقد سبقت هذه الخطوة مساعدات عسكرية جزائرية للجيش النيجري، من بينها أربع مروحيات عسكرية مع تجهيزات وذخائر وقطع غيار ودعم لوجستي. وهذا يؤكد أن العلاقات الأمنية بين البلدين تتجه نحو مستوى أكثر عمقاً وتنظيماً.
إنها، في النهاية، *شراكة استراتيجية تتجاوز الحسابات الآنية*. الجزائر تدرك أن أمنها القومي يبدأ من حدودها، لكنه لا ينتهي عندها. وفي منطقة مضطربة كالساحل، حيث تتقاطع الأجندات الدولية والإقليمية مع الإرهاب والجريمة المنظمة والانقلابات والتنافس على النفوذ، ولذلك يصبح بناء أحزمة أمنية مستقرة حول الجزائر ضرورة استراتيجية وليس خياراً سياسياً.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم «قوس النيجر» باعتباره مفهوماً جديداً في قراءة الأمن الجزائري: النيجر كقوس أمني واستراتيجي يحمي الخاصرة الجنوبية، وشريك في مواجهة التهديدات قبل اقترابها من الأراضي الجزائرية.
لقد أرادت الجزائر، بإرسال مقاتلاتها إلى نيامي، أن تقول إن الشراكة مع النيجر ليست بيانات دبلوماسية فقط، وإن التضامن بين الجارين يمكن أن يتحول، عندما تقتضي الضرورة، إلى فعل استراتيجي على الأرض.
والرسالة الأهم ليست موجهة إلى النيجر وحدها، بل إلى كل من يراهن على زعزعة استقرار الساحل: *الجزائر تملك قوة الردع، لكنها لا تبحث عن الحرب؛ تملك القدرة على التحرك، لكنها تفضل الاستقرار؛ وتدافع عن أمنها القومي عبر سياسة استباقية تقوم على حماية محيطها قبل أن يتحول اضطرابه إلى تهديد مباشر لأمنها.*
وما يحدث اليوم في دول الجوار،من إضطرابات و فلتان أمني،خير دليل. ولذلك الجزائر،
في النيجر، لا تحمي جاراً فقط؛ إنها تحمي عمقها الاستراتيجي، وتصنع حول حدودها الجنوبية فضاءً أكثر أمناً، وتؤكد أن أمن الساحل جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الجزائري.
وهكذا يصبح «قوس النيجر» أكثر من عنوان جغرافي؛ إنه قوس استراتيجي يبدأ من أمن النيجر، ويمر عبر استقرار الساحل، وينتهي عند حماية الجزائر وأمنها القومي. و لا نامت أعين الجبناء





