الممر الجنوبي للهيدروجين الأخضر.. الجزائر ترسم خريطة جديدة للأمن الطاقوي

الإفتتاحية: بقلم جمال بن علي
لم تعد الطاقة مجرد سلعة تُقاس في الأسواق العالمية، بحجم الإنتاج والأسعار، بل تحولت إلى عنوان للسيادة الوطنية، وأداة لإعادة تشكيل التحالفات، ومحدد أساسي للأمن الاقتصادي والاستراتيجي للدول. ومن هذه الزاوية تحديدا، يكتسب مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين الأخضر، الذي يربط الجزائر وتونس بإيطاليا والنمسا وألمانيا، أهمية تتجاوز أبعاده التقنية والاقتصادية، ليصبح أحد أبرز رهانات الشراكة الجزائرية الأوروبية في العقود المقبلة.
إنه مشروع لا يتعلق فقط بنقل جزيئات الهيدروجين من الجنوب إلى الشمال، بل بإعادة رسم جغرافيا الطاقة في حوض المتوسط، ووضع الجزائر في قلب معادلة أوروبية تبحث عن مصادر مستدامة وموثوقة ومتنوعة للطاقة.
فالممر الجنوبي، المعروف باسم SoutH2 Corridor، يمثل تصورا استراتيجيا لإنشاء شريان طاقوي يمتد على نحو 3300 كيلومتر، لنقل الهيدروجين المتجدد من شمال إفريقيا إلى المراكز الصناعية الأوروبية، مستفيدا من البنية التحتية القائمة للغاز الطبيعي وإمكانية تكييف جزء معتبر منها لنقل الهيدروجين.
ولعل الدلالة الأبرز في هذا المشروع تكمن في أن الجزائر لم تعد تُطرح فقط باعتبارها موردا تقليديا للغاز الطبيعي، بل باعتبارها شريكا محتملا في بناء منظومة الطاقة النظيفة الأوروبية، بما تملكه من إمكانات شمسية واسعة، وخبرة متراكمة في الصناعة الطاقوية، وشبكات نقل وتصدير، وموقع جغرافي يجعلها بوابة طبيعية بين إفريقيا وأوروبا.
إن الرهان هنا يتجاوز تصدير منتج جديد إلى الأسواق الأوروبية؛ إنه انتقال تدريجي من اقتصاد تصدير المحروقات إلى اقتصاد إنتاج وتطوير وتصدير الطاقات المستقبلية، بما يفتح آفاقا جديدة للاستثمار الصناعي والتكنولوجي ونقل المعرفة، ويمنح الجزائر فرصة لتعزيز موقعها في سلاسل القيمة العالمية للهيدروجين.
وليس من قبيل المصادفة أن تتقاطع مصالح إيطاليا والنمسا وألمانيا عند هذا الممر. فإيطاليا، بحكم موقعها الجغرافي، تمثل البوابة المتوسطية الرئيسية لعبور الطاقة نحو أوروبا الوسطى، فيما تنظر النمسا إلى المشروع باعتباره رافدا لتأمين احتياجاتها الصناعية والطاقوية، بينما تراهن ألمانيا على تنويع مصادر الطاقة النظيفة اللازمة لصناعاتها الثقيلة، في سياق التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات.
أما الاتحاد الأوروبي، فإن الممر الجنوبي ينسجم مع توجهاته الرامية إلى تنويع الإمدادات، وتطوير سوق الهيدروجين المتجدد، وتقليص الانبعاثات الكربونية، وتعزيز التكامل الطاقوي مع الجوار الجنوبي.
غير أن البعد الاستراتيجي للمشروع لا يكتمل دون تونس، التي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد منطقة عبور، بل شريكا في بناء منظومة طاقوية متوسطية متكاملة، تستفيد من الاستثمارات والبنية التحتية وفرص الإنتاج والتشغيل. فنجاح الممر يقتضي شراكة متوازنة بين ضفتي المتوسط، تقوم على تقاسم المنافع، وتطوير القدرات المحلية، وإرساء مصالح اقتصادية مستدامة.
والأهم أن هذا المشروع يضع الأمن الطاقوي الأوروبي أمام معادلة جديدة: أمن الإمدادات لا يتحقق فقط بتعدد الموردين، وإنما أيضا بتأمين مسارات النقل، واستقرار الشراكات، وتطوير مصادر إنتاج قريبة جغرافيا وقابلة للاستدامة على المدى الطويل. خاصة مع ما يحدث في مضيق هرمز و باب المندب،
ومن هنا، فإن الجزائر تمتلك فرصة تاريخية لتحويل موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وخبرتها الطاقوية إلى أوراق قوة استراتيجية، لا عبر منطق التبعية للأسواق، وإنما من خلال شراكة متكافئة تعترف بالمصالح المتبادلة وبالأهمية المتزايدة للجنوب المتوسطي في مستقبل الطاقة الأوروبية.
ولعل ما يعزز هذه الرؤية أن مشروع الممر الجنوبي لم يعد مجرد تصور على الورق، بل أصبح موضوع تنسيق سياسي وصناعي بين الدول المعنية، في أفق الانتقال إلى مراحل التنفيذ والاستثمار وبناء سلسلة قيمة متكاملة.
لكن الرهان الجزائري الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند تصدير الهيدروجين الأخضر في صورته الأولية. فالقيمة المضافة الأكبر تكمن في بناء صناعة وطنية مرتبطة به، من إنتاج المحللات الكهربائية ومكونات الطاقة الشمسية، إلى تطوير الصناعات الكيميائية والأسمدة والحديد الأخضر، وتكوين الكفاءات الجزائرية القادرة على قيادة هذا التحول.
ذلك أن تصدير الطاقة يمنح عائدات، أما امتلاك التكنولوجيا والصناعة فيمنح قدرة مستدامة على صناعة الثروة والقرار.
وفي عالم تتسابق فيه القوى الاقتصادية على امتلاك مصادر الطاقة النظيفة، لا يكفي أن تكون الجزائر بلدا منتجا للطاقة، بل يتعين أن تكون فاعلا في صياغة قواعد سوقها المستقبلية، وشريكا في تحديد اتجاهاتها، ومركزا إقليميا للاستثمار والتصنيع والتبادل الطاقوي.
إن الممر الجنوبي للهيدروجين الأخضر هو، في جوهره، اختبار لقدرة المتوسط على الانتقال من جغرافيا التنافس على الموارد إلى جغرافيا المصالح المشتركة. وهو أيضا اختبار لقدرة الجزائر على تحويل ثقلها الطاقوي إلى نفوذ اقتصادي وصناعي طويل الأمد.
فمن الغاز الطبيعي إلى الهيدروجين الأخضر، ومن أنابيب الطاقة التقليدية إلى ممرات المستقبل، تبدو الجزائر أمام فرصة لإعادة تعريف دورها في المعادلة الأوروبية.
إنها ليست مجرد أنابيب تعبر المتوسط، بل جسور مصالح ترسم ملامح أمن طاقوي جديد، تكون فيه الجزائر شريكا في صناعة المستقبل، لا مجرد مورد لاحتياجاته.و هنا تبرز الرؤية الإستشرافية للسياسة الطاقوية للجزائر في عالم متقلب تتحكم فيه الصراعات الجيويباسية ،و حروب النفوذ.



