محمد تهمي… الطبيب الذي دخل السياسة نظيف القلب وخرج منها واقفًا

ليس سهلًا أن تُكتب سيرة ذاتية لشخصية مثل البروفيسور محمد تهمي دون أن تنزلق الكلمات إلى المجاملة، أو يتحول السرد إلى مديح تقليدي. فالرجل لا يُختصر في منصب، ولا يُعرّف بكرسي، بل يُقرأ من مسارٍ استثنائي جمع بين العلم، النزاهة، الجرأة، والانتماء الشعبي في زمن كانت فيه هذه القيم مكلفة.
من حيّ بلوزداد… حيث تُصنع الشخصيات
وُلد محمد تهمي في حيّ القصبة العريق و ترعرع بحي بلوزداد الشهير، ذلك الحي الذي لا يمنح أبناءه الألقاب بسهولة، لكنه يمنحهم ما هو أثمن: الصدق، الصلابة، والاحتكاك الحقيقي بالناس. هناك تشكّل وعيه الاجتماعي، وهناك تعلّم أن المسؤولية ليست امتيازًا بل التزامًا. لذلك لم يكن يومًا مسؤولًا معزولًا عن محيطه، بل بقي دائمًا واحدًا من الناس، قريبًا من الشارع، بعيدًا عن التعالي. فأحب حي بلوزداد و شجع مولودية العاصمة و عشق الجزائر
طبيب قلب… علمًا وضميرًا
قبل السياسة، وقبل الرياضة، كان محمد تهمي أحد خيرة بروفيسورات طب القلب في الجزائر. اسم علمي محترم، وأستاذ جامعي مشهود له بالكفاءة والانضباط، وطبيب جمع بين الدقة الأكاديمية والبعد الإنساني.
تولّيه رئيس مصلحة أمراض القلب بمستشفى تيزي وزو لم يكن مجرد ترقية إدارية، بل محطة أكد فيها أن التسيير النظيف ممكن، حتى في أكثر القطاعات حساسية، وأن صحة المواطن لا تحتمل العبث ولا الصفقات.
الرياضة… حين تتحول من لعبة إلى معركة
حين دخل عالم التسيير الرياضي، وخاصة عبر رئاسة اتحادية كرة اليد، كان يدرك أنه يدخل حقل ألغام. رياضة أنهكها المال الفاسد، وشوّهتها الحسابات الضيقة، وتسللت إليها لوبيات لا علاقة لها لا بالقيم ولا بالتنافس الشريف.
لكن محمد تهمي لم يكن رجل حلول وسط مع الفساد. واجه، واصطدم، ورفض التواطؤ، فدفع الثمن دون أن يتراجع.
وزير… لا يساوم
في منصبه كوزير للشباب والرياضة، لم يكن مجرد واجهة سياسية، بل تحوّل إلى حالة نادرة داخل السلطة. كان أول من واجه علنًا الأوليغارشيا داخل قطاعه، وفتح ملفات ظلت لسنوات محرّمة، وتصدّى للمال الفاسد الذي حوّل الرياضة إلى سوق، والشباب إلى أرقام هامشية.
لم يُجامل، ولم يبحث عن السلامة الشخصية، بل اختار طريق المواجهة، مؤمنًا أن الإصلاح الحقيقي لا يتم بالخطابات، بل بالقرارات المؤلمة.

في قلب العاصفة… حين كان النفوذ في ذروته
الأهم في تجربة محمد تهمي، أنه حرّك حراكًا حقيقيًا داخل قطاع الشباب والرياضة في عزّ قوة ونفوذ حاشية الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، حين كان الاقتراب من دوائر النفوذ مغامرة، وحين كان الصمت هو القاعدة، والمواجهة استثناءً نادرًا.
فتح ملفات حساسة، واصطدم بشبكات اعتقدت أنها فوق المحاسبة، ورفع سقف الخطاب والممارسة في وقت لم تكن فيه موازين القوى لصالحه. كانت معركة غير متكافئة، لكنها واضحة المعالم: الدولة قبل الأشخاص، والمؤسسة قبل اللوبيات، والرياضة ملك للشباب لا للحسابات الخلفية. تلك المرحلة وحدها تفسّر لماذا حورب، ولماذا خرج مرفوع الرأس. و هو اليوم على رأس الجمعية الوطنية لعلاج إضطرابات نبضات القلب يوضف رصيده العلمي و المعرفي لفائدة مرضى القلب بكل عزيمة وإرادة وإبتسامته المعهودة يزيل العقبات و ينظم النبضات بقلب ينبض حبا لوطن إسمه الجزائر.
رصيد شعبي لا يُشترى
ما يميز محمد تهمي حقًا، هو أنه خرج من المسؤولية دون أن يخسر احترام الناس. لم تُلاحقه شبهات، ولم يُذكر اسمه في ملفات سوداء، وبقي مرتبطًا في الذاكرة الجماعية بالنزاهة، والاستقامة، والجرأة، والوضوح. وهي عملات نادرة في الحياة العامة.
سيرة رجل… لا تحتاج تلميعًا
محمد تهمي ليس أسطورة، ولا يدّعي الكمال. هو رجل دولة نظيف السجل، طبيب ناجح، ومسؤول رفض أن يساوم على قناعاته.
دخل السياسة بقلب طبيب، وتعامل مع السلطة بضمير أستاذ، وخرج منها كما دخل: واقفًا، محترمًا، وقريبًا من الناس.
في زمن الالتباس، اختار الوضوح. وفي زمن الصفقات، اختار المبدأ. وذلك وحده كافٍ ليبقى اسمه حاضرًا، حتى وهو بعيد عن الأضواء.



