الخليج وأميركا: بين الولاء والحذر !!

رسالة أمريكا: بقلم مراد شبين
لم تكن الحرب مع إيران مجرد جولة عسكرية عابرة، بل لحظة اختبار للعلاقة بين واشنطن والعواصم الخليجية.
فجأة، لم يعد ما كان يبدو حلفا قويا، يُنظر إليه بوصفه معادلة مستقرة قوامها “الحماية مقابل الولاء”، بل بوصفه ترتيبا ملتبسا: من يقرر الحرب، ومن يدفع كلفتها.
في الخليج، لا تُكشف أوراق الدبلوماسية علناً، لكن ما يتسرب يوحي بحالة مزدوجة: غضب مكتوم لا يصل إلى حد القطيعة، وحاجة أمنية لا تسمح بالمغامرة. بين هذين الحدّين، بدأت تتشكل قناعة جديدة بأن “المظلة الأمنية” الأمريكية لم تعد صلبة كما كانت تُبدو للعيان. فالحرب كشفت أن القواعد الأميركية، المفترض أنها عامل ردع، قد تتحول في لحظة إلى سبب للاستهداف، بعدما طالت الهجمات الإيرانية بنى تحتية حيوية ومطارات تحت ذريعة استضافة تلك القواعد. هنا لم يعد السؤال عن القدرة العسكرية، بل عن أولويات استخدامها، وعن استعداد واشنطن لتحمّل تبعات قراراتها خارج حدودها.
ومع ذلك، لم تندفع دول الخليج نحو القطيعة، بل نحو ما يمكن وصفه بسياسة “الحذر”. رفضت معظم الدول الانخراط المباشر في العمليات الهجومية، وفضّلت الاكتفاء بالدفاع عن أراضيها، فيما استمرت القنوات مع طهران مفتوحة حتى في ذروة التصعيد. لم يكن ذلك تناقضاً بقدر ما كان إدارة باردة للمخاطر، إدراكاً من دول المنطقة بأن حرباً مفتوحة قد تتحول إلى زلزال اقتصادي يهدد مشاريع استراتيجية كبرى ويقوّض استقراراً بُني بصعوبة.
اقتصادياً، جاء الاختبار قاسياً. التهديد بإغلاق الممرات الحيوية كاد يشل صادرات الطاقة ويضع واشنطن أمام امتحان مباشر لمصداقيتها في تأمين الملاحة. وفي الداخل الخليجي، ظهرت كلفة الحرب سريعاً في شكل تراجع الاستثمارات وتضرر قطاعات حيوية، ما أعاد طرح السؤال بصيغة أكثر حدة: إذا كان أمن المنطقة جزءاً من منظومة تقودها الولايات المتحدة، فما الذي يضمن ألا تتحول هذه الشراكة إلى عبء أحادي الكلفة؟ من هنا ارتفع سقف المطالب نحو ضمانات أوضح، أقرب إلى التزامات دفاعية ملزمة، لا مجرد تفاهمات سياسية قابلة للتأويل.
لكن حتى داخل الخليج نفسه، لم تكن الاستجابة واحدة. بعض الدول مالت إلى خطاب أكثر صرامة يدعو إلى تحييد التهديد الإيراني بشكل جذري، فيما فضّلت أخرى كبح الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة، مع إبقاء قنوات الوساطة مفتوحة كخيار موازٍ للميدان.
والواضح الآن أن المسألة لا تبدو تقنية بقدر ما هي سياسية. فنجاح منظومات الدفاع في اعتراض الهجمات لم يُلغِ الشكوك، لأن جوهر القلق لم يعد مرتبطاً بفعالية السلاح، بل بمنطق القرار. وهذا ما يفسر أن اللحظة الراهنة تُقرأ كمرحلة إعادة تقييم قاسية: الخليج لا يملك ترف الاستغناء عن المظلة الأمريكية، لكنه لم يعد مستعداً للتعامل معها كما لو كانت ضمانة مطلقة. وبين الاعتماد والحذر، يتشكل مسار جديد عنوانه الأبرز ليس القطيعة، بل إعادة التموضع في علاقة لم تعد بديهية كما كانت !!.



