إيران والو.م.أ.. بين الصبر الاستراتيجي والضغط الاقتصادي

الإفتتاحية:بقلم : جمال بن علي
لم تعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولا مجرد فصل جديد في صراع طويل بين طهران وواشنطن، بل أصبحت اختبارًا مفتوحًا للإرادة والقدرة على الصمود وإدارة المخاطر، تتداخل فيه العمليات العسكرية مع الضغط الاقتصادي، وتتقاطع فيه الصواريخ مع الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة، بينما يقف مضيق هرمز في قلب المعادلة بوصفه أخطر الأوراق التي تمتلكها طهران وأكثرها تأثيرًا على الاقتصاد العالمي. فالحرب مستمرة على الأرض، لكن المفاوضات لم تتوقف في الكواليس، حيث تتحرك قطر وسلطنة عُمان وباكستان بين الطرفين لنقل الرسائل والبحث عن مخرج سياسي من مواجهة بدأت تتجاوز حدودها الإقليمية. ولعل المفارقة الأكبر في المشهد أن إيران والولايات المتحدة تخوضان حربًا عسكرية، وفي الوقت نفسه تتركان نافذة مفتوحة للتفاوض، لأن كلاً منهما يدرك، وإن بدرجات مختلفة، أن الحرب وحدها قد لا تنتج نهاية سياسية، وأن استمرار التصعيد قد يقود إلى كلفة أكبر من قدرة أي طرف على تحملها. وفي قلب هذه الحرب جاء إغلاق إيران لمضيق هرمز ليغير طبيعة المواجهة، فطهران لم تعد تستخدم القوة العسكرية فقط للدفاع عن مصالحها، بل تحاول استخدام الجغرافيا نفسها كسلاح تفاوضي، واضعة أحد أهم شرايين الطاقة العالمية في قلب الصراع. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل نقطة عبور حيوية لجزء كبير من تجارة النفط والغاز، وأي تعطيل طويل للملاحة عبره يعني ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف التأمين والشحن، واضطراب الأسواق، وتفاقم الضغوط التضخمية في العديد من الاقتصادات. ومن هنا أرادت طهران أن تقول لواشنطن إن الحرب على إيران لن تبقى داخل الحدود الإيرانية، وإن الضغط العسكري والاقتصادي على طهران ستكون له تداعيات تتجاوز المنطقة. وإذا كانت الولايات المتحدة تمتلك التفوق العسكري والاقتصادي والنفوذ المالي العالمي، فإن إيران تمتلك ورقة جغرافية قادرة على التأثير في أمن الطاقة والملاحة الدولية، ولذلك فإن إغلاق هرمز يمثل محاولة لتحويل الموقع الاستراتيجي إلى قوة سياسية. غير أن هذه الورقة، رغم قوتها، تحمل مخاطر كبيرة على إيران نفسها، لأن استمرار إغلاق المضيق لا يضر بالولايات المتحدة وحلفائها فقط، وإنما ينعكس أيضًا على الاقتصاد الإيراني واقتصادات المنطقة، ويزيد من عزلة طهران ويجعلها أمام ضغوط دولية متزايدة. ولذلك فإن إغلاق هرمز يبدو أقرب إلى ورقة تفاوضية تستخدمها إيران لرفع كلفة الحرب وإجبار واشنطن على إعادة حساباتها، أكثر منه خيارًا يمكن أن يستمر بلا نهاية. وهنا يظهر مفهوم الصبر الاستراتيجي الإيراني؛ فطهران تدرك أن الفارق في الإمكان



