التضليل الإعلامي واستراتيجية الشك في زمن الحروب السيبرانية

بقلم: جمال بن علي
في عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة وتختلط الحقائق بالأوهام، أصبح التضليل الإعلامي أحد أخطر أسلحة الحروب السيبرانية الحديثة. لم تعد الصراعات محصورة في ساحات المعارك التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تتحول البيانات إلى أدوات تأثير والمعلومة إلى سلاح قادر على تشكيل الرأي العام وبناء واقع بديل. في هذا السياق، تطورت أساليب التأثير لتتجاوز الدعاية الكلاسيكية نحو محاولات دقيقة لهندسة الإدراك العام عبر سرديات متضاربة تشتت المتلقي وتضعف ثقته بالمؤسسات.
يعتمد الفاعلون في الحرب المعلوماتية بشكل كبير على استراتيجية الشك، التي لا تهدف بالضرورة إلى إقناع الجمهور برواية واحدة، بل إلى جعله يشك في كل شيء. كلما ازدادت المعلومات غموضًا وتناقضًا، أصبح الجمهور أكثر عرضة للتأثير. تستخدم هذه الاستراتيجية نشر قصص متضاربة، وتضخيم الشائعات، وترويج شخصيات غير مؤهلة أو مزيفة بوصفها مصادر موثوقة.
ومع مرور الوقت، تؤدي هذه الأساليب إلى تآكل الثقة بالإعلام والسلطات العلمية والسياسية، ما يخلق بيئة فوضوية تسمح للتضليل بالانتشار بسهولة.
غالبًا ما تتضمن الحروب السيبرانية هجمات رقمية لاختراق قواعد البيانات أو تعطيل البنى التحتية الحيوية، لكن أكثر أبعادها خطورة يكمن في التلاعب بالمعلومات نفسها. أصبح التأثير على الانتخابات، وتوجيه الرأي العام، وإشعال الانقسامات المجتمعية أهدافًا دقيقة تنفذها شبكات رقمية مدربة، تستفيد من سرعة انتشار المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، والتي غالبًا ما تتفوق على سرعة التحقق من المعلومات. وتزداد خطورة هذا التهديد في المجتمعات التي تفتقر إلى الوعي الإعلامي الرقمي، حيث يبحث الناس عن تفسيرات سريعة أثناء الأزمات والتوترات.
تأثير التضليل على الأمن القومي عميق، إذ يضعف الثقة بالمؤسسات الحكومية، ويزيد الانقسامات الاجتماعية، ويعقّد عملية اتخاذ القرار السياسي. وقد تمتد آثاره لتشمل الاستقرار الاقتصادي والأسواق والعلاقات الدولية. عندما تصبح الحقيقة مجرد رأي والوقائع احتمالات، تفقد المجتمعات بوصلتها المعرفية وتصبح أكثر هشاشة أمام الحملات الرقمية المستهدفة.
لمواجهة هذا التحدي، يجب على الدول والمؤسسات الإعلامية تبني استراتيجيات مضادة تقوم على الشفافية وسرعة نشر المعلومات الموثوقة.
ويشمل ذلك بناء شبكات تحقق مستقلة، وتطوير مهارات الصحفيين في التحقق الرقمي والأمن السيبراني، وإدماج برامج التثقيف الإعلامي في المدارس والجامعات لحماية الأجيال القادمة من التأثير السلبي للأخبار المضللة. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورًا مهمًا في كشف الحملات المنظمة والتعرف على الحسابات المزيفة قبل أن تنتشر آثارها.
في النهاية، تبدو معركة مكافحة التضليل الإعلامي معركة من أجل الوعي بقدر ما هي معركة من أجل المعلومات. في عالم يمكن فيه صناعة الحقائق بضغطة زر، يصبح التفكير النقدي والإعلام المهني خط الدفاع الأول ضد فوضى السرديات والضباب الرقمي الذي يميز الحروب السيبرانية المعاصرة.



