فرنسا من احتجاجات الضواحي إلى حركة السترات الصفراء وإضرابات الثانويات: تحولات الغضب الاجتماعي وأزمة الثقة

ما يجب أن يقال: بقلم جمال بن علي
ليست الأزمات التي تعرفها فرنسا مجرد أحداث متفرقة تفصل بينها السنوات وتتغير معها الشعارات، بل هي محطات مختلفة في مسار اجتماعي وسياسي يستحق القراءة بعيدًا عن الأحكام المسبقة والصور النمطية. فمن احتجاجات الضواحي، إلى حركة السترات الصفراء التي هزّت الشارع الفرنسي منذ عام 2018، وصولًا إلى الإضرابات والاحتجاجات في قطاع التعليم، تتجدد الأسئلة بشأن العدالة الاجتماعية، والقدرة الشرائية، وتكافؤ الفرص، وعلاقة المواطن بمؤسسات الدولة.
إن فرنسا، ، ليست بمنأى عن التوترات التي تواجهها المجتمعات الحديثة. غير أن أهمية ما يحدث فيها تتجاوز حدودها الوطنية، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها في أوروبا، وإلى حضورها المستمر في النقاشات الدولية المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى هذه التحولات من دون تهويل أو تقليل من شأنها، مع التمييز بين أسبابها وسياقاتها، والبحث عما تكشفه عن التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسيالذي أصبح حقل تجارب لليمين المتطرف.
كانت احتجاجات الضواحي، في أكثر من محطة، مناسبة لإعادة فتح النقاش حول التهميش الاجتماعي، والتمييز، والعلاقة بين الشباب والإدارة الفرنسية، وصعوبات الاندماج في بعض المناطق الحضرية. وقد أظهرت هذه الأحداث أن مبدأ المساواة أمام القانون، على أهميته، لا ينهي وحده النقاش حول المساواة في الفرص، ولا يحول دون شعور بعض الفئات بأن حضورها في المجتمع لا يقابله نصيب متكافئ من الإمكانات والخدمات والاهتمام.
ولا يمكن اختزال هذه الاحتجاجات في تفسير واحد، كما لا يصح اعتبار جميع سكان الضواحي كتلة اجتماعية متجانسة. فخلف المشهد تتداخل عوامل اقتصادية وتعليمية واجتماعية وأمنية، تختلف من منطقة إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى. لكن تكرار هذه الأزمات يفرض على المؤسسات الفرنسية مواصلة البحث عن حلول تتجاوز المعالجة الأمنية الآنية إلى معالجة الأسباب البنيوية للتوتر.
ثم جاءت حركة السترات الصفراء في نوفمبر 2018 لتمنح الاحتجاج الاجتماعي وجهًا مختلفًا. فقد انطلقت على خلفية الاعتراض على زيادة الضرائب على الوقود، قبل أن تتسع مطالبها لتشمل القدرة الشرائية والضرائب والعدالة الاجتماعية والشعور بالابتعاد عن مراكز القرار. ولم تكن خصوصية هذه الحركة في حجم التعبئة وحده، بل في قدرتها على نقل أصوات فئات اجتماعية ومناطق جغرافية شعرت بأن السياسات العامة لا تعكس بما يكفي صعوباتها اليومية.
لقد طرحت السترات الصفراء سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين الإصلاح الاقتصادي وقبوله اجتماعيًا: هل تكفي المبررات المالية والبيئية لأي قرار إذا لم تُراعَ انعكاساته على الفئات التي تعتمد على السيارة في تنقلاتها اليومية، ولا سيما في المناطق البعيدة عن وسائل النقل العمومي؟
كانت تلك لحظة كشفت أن الاستقرار لا يرتبط فقط بوجود المؤسسات وانتظام عملها، بل يتأثر أيضًا بمدى شعور المواطنين بأن القرارات المتخذة تراعي أوضاعهم، وأن قنوات الحوار والتمثيل قادرة على نقل مطالبهم قبل أن تتحول إلى احتجاجات واسعة.
ومع ذلك، لا ينبغي وضع احتجاجات الضواحي وحركة السترات الصفراء في سلة واحدة؛ فلكل منهما خلفياته الاجتماعية وأهدافه المباشرة ونواياه الخاصة. غير أن المقارنة بينهما تتيح فهم تعدد مصادر الاحتقان في المجتمع الفرنسي، وتكشف أن التحديات لا تقتصر على فئة اجتماعية بعينها، بل قد تظهر بأشكال مختلفة لدى سكان الضواحي، والعمال، وأصحاب المهن، وسكان المناطق الريفية وشبه الحضرية.
أما إضرابات الثانويات والاحتجاجات الطلابية التي تشهدها فرنسا في أكتوبر 2026، فقد أعادت قطاع التعليم إلى قلب النقاش الوطني، وفتحت فصلًا جديدًا في العلاقة بين الشباب والدولة. فبحسب تقارير صحفية فرنسية ودولية نُشرت يومي 8 و9 أكتوبر، امتدت التعبئة إلى مدن ومؤسسات تعليمية عديدة، وتركزت المطالب حول نقص المدرسين، واكتظاظ الأقسام، وتدهور بعض المرافق المدرسية، والقلق بشأن تكافؤ الفرص في الوصول إلى التعليم العالي.
وتكمن أهمية هذه الحركة في أن المدرسة، التي تمثل إحدى ركائز النموذج الجمهوري الفرنسي، أصبحت نفسها موضوعًا للاحتجاج. فعندما يعبّر التلاميذ عن قلقهم بشأن ظروف الدراسة ومستقبلهم الجامعي، فإن القضية لا تتعلق فقط بتسيير المؤسسات التعليمية، بل تمتد إلى الثقة في قدرة الدولة على ضمان خدمة عمومية ذات جودة، وتوفير فرص متقاربة أمام أبناء مختلف الفئات الاجتماعية.
وقد أعلنت الحكومة، في محاولة للاستجابة لبعض المطالب، خطة لنشر ثلاثة آلاف مدرس بديل في المؤسسات الأكثر تضررًا من غياب المعلمين، بينما دعا ممثلو الطلاب والنقابات إلى مواصلة التعبئة، وحددوا يوم 13 أكتوبر موعدًا جديدًا للتحرك. وتكشف هذه التطورات عن مسار لا يزال مفتوحًا على الحوار والتفاوض، وعن اختبار حقيقي لقدرة السلطات على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة داخل المؤسسات التعليمية.
لكن الإنصاف يقتضي عدم اختزال المشهد في صورة واحدة. فليست كل الاحتجاجات عنيفة، كما أن بعض المواجهات وأعمال التخريب لا تعبّر بالضرورة عن جميع المشاركين. وفي المقابل، فإن حماية النظام العام لا تعفي السلطات من واجب ضمان التناسب في حماية الحق في الاحتجاج السلمي. وبين هذه الاعتبارات، تبرز ضرورة تجنب التصعيد الذي قد يحوّل الخلاف حول السياسات التعليمية إلى أزمة أوسع في الثقة بين الأجيال والمؤسسات.
وتكتسب هذه المسألة بعدًا إضافيًا عندما يتعلق الأمر بالتلاميذ، الذين يجدون أنفسهم في بداية حياتهم أمام أسئلة تتصل بمستقبلهم الدراسي والمهني. فالمدرسة ليست مجرد فضاء لتلقي المعرفة، وإنما مؤسسة لصناعة المواطنة، وتعزيز الإختلاف الديني و العقائدي، وإتاحة فرص الحراك الاجتماعي. وإذا اتسعت الفجوة بين المدارس من حيث الإمكانات والتأطير والنتائج، فإن مبدأ تكافؤ الفرص يصبح موضع اختبار، حتى في بلد جعل من المدرسة الجمهورية إحدى ركائز هويته السياسية والاجتماعية.
من هنا، فإن التحدي الفرنسي لا يكمن في إنهاء الاحتجاجات فحسب، بل في معالجة الأسباب التي تجعلها تتجدد. فالاستجابة الأمنية قد تكون ضرورية في حالات محددة لحماية الأشخاص والممتلكات، لكنها لا تعوّض الإصلاح الاجتماعي أو الحوار السياسي أو الاستثمار في التعليم. كما أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية، مهما كانت مبرراتها، تحتاج إلى نقاش عام واضح بشأن كلفتها الاجتماعية، والفئات التي تتحمل أعباءها، والضمانات التي تحول دون تعميق التفاوتات.
ومن المهم أيضًا ألا تتحول هذه الأحداث إلى مادة للأحكام الجاهزة على المجتمع الفرنسي بكل فسيفساؤه من جنسيات مختلفة و ديانات متعددة و تقاليد مختلفة ، فوجود احتجاجات واسعة لا يعني وحده انهيار الديمقراطية، مثلما أن وجود المؤسسات الانتخابية والبرلمانية لا يعني أن كل التوترات الاجتماعية قد عولجت. الديمقراطية عملية مستمرة، تُقاس قدرتها على الاستمرار بمدى استيعابها للاختلاف، وحماية الحريات، وإيجاد حلول قابلة للتنفيذ للمشكلات التي يواجهها المواطنون.
أما صورة فرنسا في الخارج، فتتأثر بطبيعة الحال بما يجري داخلها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا التعليم والحقوق الاجتماعية والحريات العامة. لكن القراءة الموضوعية تقتضي النظر إلى الوقائع في سياقها، والتمييز بين النقد المشروع والتوظيف السياسي، وبين مسؤولية الدولة عن معالجة الاختلالات والتعميم على مجتمع بأكمله. ففرنسا، شأنها شأن غيرها من الدول، تُقرأ من خلال مؤسساتها وإنجازاتها وتناقضاتها معًا، لا من خلال مشهد واحد في الشارع.
إن الرابط بين احتجاجات الضواحي، وحركة السترات الصفراء، وإضرابات الثانويات ليس تطابق الأسباب أو المطالب، وإنما استمرار الأسئلة المتعلقة بالمساواة والعدالة الاجتماعية والثقة في المؤسسات. وفي كل محطة، تجد الدولة نفسها مطالبة بإعادة النظر في أدوات الحوار، وطرق توزيع الموارد، وقدرة السياسات العامة على الاستجابة لاحتياجات فئات متنوعة من المجتمع.لها عاداتها و تقاليدها ،و ديانتها،بعيدا عن السياسة السياسوية، و الخطاب الشعبوي
وهنا تعود صورة المرآة العاكسة، لا بوصفها حكمًا مسبقًا على فرنسا، بل استعارة صحفية تدعوها، كما تدعو كل دولة، إلى النظر بوضوح إلى واقعها. فالمجتمعات لا تتقدم بإنكار أزماتها، ولا بمعالجة مظاهرها وحدها، وإنما بالاعتراف بالمشكلات، وفتح المجال للنقاش، وتحويل المطالب المشروعة إلى إصلاحات قابلة للقياس والمحاسبة.
من الضواحي إلى السترات الصفراء، ومن الشارع إلى أبواب الثانويات، تتعدد وجوه الاحتجاج في فرنسا، وتختلف دوافعها، لكن السؤال الذي يظل حاضرًا هو مدى قدرة المؤسسات على تجديد الثقة بينها وبين المواطنين، ولا سيما الشباب، الذين لا يريدون أن يكون مستقبلهم الدراسي والاجتماعي موضوعًا للوعود المتكررة.
فرنسا أمام مرآة أزماتها: ليست القضية في أن يحتج المجتمع، بل في أن تجد مطالبه طريقها إلى الحوار والإصلاح، قبل أن يتحول الاحتقان إلى دورة جديدة من المواجهة.و تستغل هذه الأحداث سياسيا ،لتصفية الحسابات مع الفرنسيين من أصول عربية و إفريقية من طرف اليمين المتطرف.



