آخر الأخبار
الإعلام الألماني: برلين تدرس استرداد سلاح من قطر لإرساله إلى أوكرانيا وزارة الدفاع النمساوية: نلتزم الحياد عسكريا وزير العدل، حافظ الأختام يستقبل الـمُنسّق الـمُقيم لـمــنظمة الأمم المتحدة بالجزائر الصين تعلن سبب ظهور منطاد لها في سماء الولايات المتحدة "بوليتيكو": ضباط أمريكيون سابقون يقودون حملة لإرسال متعاقدين عسكريين إلى أوكرانيا صحيفة: السعودية تستعد لاستيراد البيض بيل غيتس: لماذا يفضّل الملياردير الأمريكي الإنفاق على اللقاحات أكثر من السفر إلى المرّيخ؟ الفيلم الأعلى إيرادا في السينما الروسية على شاشات الشرق الأوسط قريبا تونس.. إعفاء المدير العام لحرس الحدود وعدد من الإطارات الأمنية بجرجيس Xiaomi تنافس سامسونغ بحواسب لوحية مميزة آل الشيخ يكرم عائلة الراحل طلال مداح في “ليلة صوت الأرض” تسلا خسرت 140 مليون دولار من استثماراتها في بيتكوين خلال 2022 لقاء بين الملكة رانيا وجيل بايدن “ساندويتش برغر”.. يجتذب أكثر من 3 ملايين مشجع لفريق “مغمور” الملكة الراحلة إليزابيث الثانية تودع ورقة نقدية أسترالية رسائل شخصية للأميرة ديانا للبيع في مزاد علني عقار لعلاج السكري يظهر قدرة على تقليل الأحداث القلبية الوعائية لدى الرجال أكثر من النساء تحليل لـ”المعيار الذهبي” يزعم أن أقنعة الوجه أحدثت “تأثيرا طفيفا أو معدوما” بالنسبة لعدوى “كوفيد”! رجل الأعمال الهندي أداني يتعرض لمزيد من الخسائر هل تسمح ولاية أمريكية بالتبرع بالأعضاء مقابل تخفيف عقوبة السجن؟
أحجار الوادي

عودة طالبان.. وعرب الزمان

أحجار الوادي

عودة طالبان.. وعرب الزمان

خالد عمر بن ققه

” حين يصل مجرى الوادي إلى نهايته، وتبلغ حملته ـ غير السياسيّة ـ ذروتها، ويتَّخذ طريقه القَدَري في تكرار شبه أبدي في مرحلة ما بعد الغدير وصوته، نحو عودة تنتهي إلى تكريس البداية حين كان خالياً إلا من أحجاره، تكون هذه الأخيرة هي الثابت الوحيد، وعلى مِثْلها يمكن أن نقيس ثوابت الجغرافيا، وحوادث التاريخ، ومنظومة القيم، وعمق الإيمان، وعلاقات البشر، ومستقبل الدول، ودور القادة، ومصير الشعوب، وحركة الزمن، ومسار الحياة.. هنا في هذه المقال كثير أو قليل من هذا وذاك”

تَنْتابُنا مشاعر مختلفة في العالم الإسلامي كُلُّه حول النصر المؤزر الذي حققته حركة طالبان في أفغانستان، تبيِّنُه التَّصريحات والمواقف والكتابات حينا، كما هو ظاهر من خلال المتابعة الإعلامية، وأحاديث الناس في مجالسهم الخاصة والعامة حينا آخر، والمُحصِّلة أننا أمام انتصار طالبان وعودتها واحد من ثلاثة:

الأول، مؤيِّد وفرح، يعلن موقفه صراحة، وهذا الفريق عناصره قليل ما هم، يعتبره نصرا للأمة الإسلامية على قوى الشر الدولية التي احتلتها ولا تزال تتربص بها، وينظر إلى الأمر كله من زاوية” جهاد أمة”، وهذا ينطبق على بعض العلماء، وعناصر النخبة.

والثاني، رافض وحزين، وهذا منه الظِّاهر ومنه المستَتِر، كما هو بالنسبة لكثير من القوى السياسية في العالم الإسلامي والحكومات القائمة، التي ترى في كل الأحزاب الدينيَّة مصدراً للتخلف والظلاميَّة، وأنها تستغل الدين لأجل الوصول إلى الحكم، وهذه، وإن أَبْدت تحفظها أو حتى قالت بحياديَّتها، فإن عودة طالبان للحكم يقضُّ مضجعها، ويرهقها صَعُودا، وترى فيها خطرا داهما أقله، نقل” عدوى الانتصار”.

والثالث، مضطرب وضبابي، يحمل مشاعر متضاربة، بل ومتناقضة، وهذا موقف منتشر بين قطاع عريض من المسلمين ـ في كل مكان ـ وخاصة لدى الشعب الأفغاني (حوالي 40 مليون نسمة)، فمن جهة يحركه الحنين إلى انتصار المسلمين حتى لو كان وهميّا، وفي التمني والأمل قيام دولة مسلمة، تستند في مرجعيَّتِها إلى بداية تكون المجتمع المسلم زمن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ  أو على الأقل التأثر بالخلافة الراشدة، وتحديدا عدالة” عمر بن الخطاب”.

 ومن جهة ثانية رفض وكراهية كرَّستْها أخطاء حركة طالبان، وعمَّقها الغرب لجهة القول: أنها حركة ظلاميَّة مغلقة، ضد الحريات وحقوق الإنسان، خاصة المرأة، وأظهرها واقعاً هذا الصُّعُود المُدوِّي لما أصبح يعرف بأحزاب أو جماعات أو تنظيمات” تيار الإسلام السياسي”، وما سبقه وما لحق به من تهويل إعلامي، أغلبه نتاجَ أنظمة كرّست الفشل، ثم أحَّلتْنا دار البوار بفتنٍ ممتدة، وباقية ما دامت هي الحاكمة.

تلك هي حال العالم الإسلامي اليوم تجاه انتصار وعودة حركة طالبان لتشكيل إمارة إسلامية من جديد، فما هي يا ترى حال العرب؟، وما هو الثابت والمتغير في علاقتهم مع حركة طالبان؟، وهل استفدنا من دروس الماضي القريب؟

أمْرَكَة الجهاد الأفغاني

لا يمكن لنا ـ حسب مِلّتي واعتقادي ــ فَهْم المواقف العربية الظاهرة والخفيّة الراهنة ــ أو تلك المنتظرة في المستقبل المنظور ـ من عودة طالبان إلى تأسيس إمارة إسلامية في أفغانستان دون العودة إلى الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفياتي.

 فتلك الحرب الظالمة، والتي لا نزال ندفع تكلفتها البشرية والأيديولوجية والعلائقية والاقتصادية ـ والجيوـ استراتيجيَّة عُمُوماً إلى الآن، كون أنها لم تضع بعد بعضاً من أوزاها، وما بقي منها ـ وهو قليل ـ قد يكون في التّخطيط الأمريكي، هدفه تحميل أعباء فوضى على الأرض، وتحريك البشر على أساس ديني وعرقي وطائفي في دول الجوار الأفغاني، وبالأخص روسيا، والصين، وإيران.

ضرورة فهم تلك الحرب الآن، بناءً على تجربتها ونتائجها وما كتب عنها، تأتي في خلاصة القول هنا: أن تلك الحرب فعل حقٍّ لاعتقاد صادق وحقيقي وجهادي أيضا من طرف الأفغان لأجل استقلال بلادهم من الاستعمار السوفياتي، ولكن الدَّعم العربي الرسمي، لم يكن يخدم مصلحة الجهاد الأفغاني، كما لم يكن دفاعاً عن الأمة في امتدادها الجغرافي، وإنما كان حربا بالوكالة، كما هي حال حروبنا العربية منذ أن قررت غالبية قيادتنا أن تكون في تبعيَّة مُطْلقة للولايات المتحدة الأمريكية.

أمّا الشعوب العربية فقد كانت مُقْتنِعَة بالجهاد، وقد جمعت التبرعات من قوتها اليومي، ولا شك أن هناك جمعيَّات كثيرة خاصة في دول الخليج العربي، قد اخترت بوعي دعم الجهاد الأفغاني، لكن بعضها كان مخترقا من الأجهزة الأمنية، بل أنه كان بأوامر علوية يجر الشباب العربي ـ بما في ذلك الخليجي ـ إلى أتون حرب تخدم بالأساس الولايات المتحدة الأمريكية.

تعبئة مشرقيَّة.. ومغاربيَّة

والواقع أن دول المشرق العربي ـ باستثناء سوريا وإلى حد ما العراق ـ كانت على النقيض من دول المغرب العربي، ففي الوقت الذي كانت تقوم الأولى ـ دول المشرق ـ بالتعبئة لصالح تلك الحرب، إما لإبعاد الناس من التفكير في التغيير محليّاً كما هو الأمر في السعودية، أو بكسب تجربة خارجية لحرب مقبلة ـ اليمن مثالا ـ أو تثبيت الحكم داخليَّا ـ مصر نموذجا ـ أو تعمية أصحاب الحق عن قضيتهم ــ فلسطين تجربة ـ أو التجاوب مع تحكم الإسلاميين داخليا ـ السودان تفاعلا ـ كانت دول المغرب العربي تنأى بنفسها رسميّاً عن تلك الحرب، وحتى الجزائر التي كانت على علاقة حميمة مع الاتحاد السوفياتي، لم تتورط في تلك الحرب، لكنها لم تحل دون دعم المواطنين للجهاد الأفغاني.

لكن ما علاقة كل هذا بما يحدث اليوم في أفغانستان؟.. له علاقة مباشرة بدور العرب ماضيا، ذلك أن ” تيسييس الجهاد” الأفغاني، تمّ بدعم من دول المشرق، حيث وظّفت وجهزت تنظيمات إسلامية داخل تلك الدول، لتكون مؤثرة بشكل مباشر على مجريات الحرب هناك بعد الانتصار على الاتحاد السوفيتي.

 هنا علينا أن لا ننسى قادة فاعلين، مثل: عبد الله عزام ـ فلسطين، وأسامة بن لادن ـ السعودية، وأيمن الظواهري ـ مصر، بل علينا ألاَّ ننسى أيضاً ما قامت به القاعدة حين أصبحت طرفا في الصراع الداخلي، وقتلت أحد القادة الكبار هو شاه مسعود، ثم دورها في تدمير البرجين الأمريكيين، وعلى خلفيته احتلت أفغانستان ثم العراق.

وإذا كان الحضور المشرقي في حرب المجاهدين الأفغان، كان رسميّا وتنظيميّا وفي خدمة الأجندة الأمريكية في العالم الإسلامي، فإن المغرب العربي كان له حضور أيضا ولكن من خلال أفراد، في تجربة صادقة نابعة من سد الثغور والرباط على أطراف الأمة، ومن هذا المنطلق، رأينا مجاهدين ـ أفراداً كُثْراً ـ من الجزائر وليبيا، وموريتانيا وتونس والمغرب، توصل بعضهم إلى مكانة عالية داخل القاعدة، ومنهم من أصبح مستشاراً لأسامة بن لادن، ومنهم من كان مساعداً له، ومنهم من حملته القاعدة مسؤولية كبرى.

العائدون من أفغانستان

حين انتصر المجاهدون الأفغان على قوات الاتحاد السوفياتي، تزامن ذلك مع ثلاثة أمور: أولها: عدم رغبة الأفغان ببقاء المجاهدين العرب في بلادهم، خصوصا بعد تحول القاعدة إلى دولة وسلطة، وثانيها: ظهور ما يسمى بالصحوة الإسلامية في الدول العربية بلغت ذروتها في الجزائر حين سمحت بإنشاء أحزاب إسلامية، أهمها وأكبرها” الجبهة الإسلامية للإنقاذ”، وفي مسيراتها قبل الانتخابات وبعدها، رأينا لأول مرة” العائدون من أفغانستان”، وثالثها: ظهور حركة طالبان في وقت لاحق.

في التجربة الجزائرية تحديداً، فإنها على المستوى الرسمي ظلت محايدة في هذا الموضوع، صحيح أن البعض أعاب عليها الوقوف على الحياد من قضية مصيرية تهم الأمة الإسلامية، لكن ذلك الموقف فيه تزييف للوعي تنبهت له سلطات الدولة الجزائرية، إذْ رأت:” الحرب في أفغانستان مستنقعاً، وحرباً بالوكالة يقوم بها الأفغان، ومعهم بعض الأنظمة العربية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية”.

ولم تكن الدول العربية ـ التي هي اليوم في عويل وندم وحسرة ـ تتوقع أن يعود المجاهدون العرب من أفغانستان، ثم يشكلون تكتّلاً، بل ويتسبب بعضهم في فوضى عارمة، أدت إلى سقوط دول وزوال أنظمة، والأكثر من هذا خروج عشرات التنظيمات الأشدّ تطرفا وأكثر اجراماً من تحت عباءتهم.

المَخْطُوفتان.. والمِشْنَقَة

وإلى اليوم لا يزال الزيف هو السائد في الوطن العربي بالنسبة للوعي المجتمعي الخاص بدور الحركات الإسلامية، مع أن الشعوب تجاوزت هذه المرحلة، وهو زيف لا أتصور أنه سيستمر، كونه يواجه اليوم بحجّة عمليّة ـ جهادية، دامغة بعد انتصار طالبان، فتلك الجماعة التي ولدت في لحظة اقتتال بين أطراف مؤمنة، وُلدت كبيرة من الناحية الأخلاقية، مع أن عدد أفرادها كان قليلاً، لدرجة أنه كان من غير المقنع أن يفض خصومة بين اثنين، فكيف ينهي حربا داخل مجتمع بأكمله، وينهي الاقتتال بين الأخوة؟!.

كان ظهور طالبان حسْماً للاقتتال.. وها نحن في ربيع عام 1994م، حينها شاع خبر اختطاف واغتصاب فتاتين عند إحدى نقاط السيطرة التابعة لأحدى الجماعات الأفغانية المتناحرة في قرية” سانج هيسار” قرب مدينة قندهار.

وكُنْت قبل هذا بثلاث سنوت تقريبا ــ تحديدا في أكتوبر 1991 م ـ قد حاورت في طهران أحد قادة المجاهدين الأفغان.. بدا مقتنعا بالنصر الأكيد على الجيش السوفياتي، لكن الأهم من هذا مظهره، الذي بيَّن زهده في الدنيا وتقشفه، أو ربما عدم توفر الإمكانات المادية لديه، وهذا ينطبق أيضا على معظم القادة، لدرجة أن نظارته كانت مكسورة ومشدودة بسلك رقيق إلى أذنيه، ما يعني أن القول بهتك الأعراض أثناء الجهاد حتى لو كان من أطراف دخيلة، يتناقض مع تلك الصورة التي رسمناها عن المجاهدين الأفغان، أو التي أشيعت بعد ذلك.

لنعُد إلى موضوع الاختطاف.. فحين نما إلى الملا محمد عمر خبر اختطاف الفتاتين ألّف قوة من 30 رجلاً وسعى معهم لتخليص الفتاتين، وقد نجح في عملية التخليص، وبعدها قام بتعليق قائد عملية الخطف والاغتصاب على المشنقة.

بعد تلك الحادثة فرّ الملا عمر إلى بلوشستان الواقعة في باكستان، وعاود الظهور مرة أخرى في أفغانستان في الخريف إلا أنه هذه المرة كان برفقة ألف وخمس مائة من الرجال المسلحين.

طالبان.. ولادة أخلاقيَّة

لقد تحايل المُلاَّ عمر على الواقع ـ على ما بدا وقتها في المتابعة الإعلامية ـ حيث أشيع أن الهدف من هذا العتاد والمسلحين هو توفير الحماية لقوافل التجار الباكستانيين لعبور الأراضي الأفغانية، مروراً إلى تركمانستان، لكن التقارير العسكرية كانت تفيد أن تلك القوافل لم تكن إلا مقاتلين باكستانيين متخفين، وبذلك تكون طالبان قد تلقت دعما مادياً وعتاداً، والتدريب اللازم من الباكستانيين.

إذن كانت ولادة طالبان أخلاقية، ثم تحولت إلى قوة عسكرية، ومع الأيام تمكَّنت من السيطرة على قندهار وما حولها، وهاجمت طالبان قوات” إسماعيل خان” المتمركزة في غرب البلاد، وتمكنت من السيطرة على مدينة “هيرات” في 5 سبتمبر من عام 1995م.

 وفي شتاء نفس العام، حاصرت طالبان العاصمة “كابول”، وأطلقت الصواريخ على المدينة، وقطعت الطرق التجارية المؤدية إليها، مما استدعى من كل من رئيس أفغانستان” برهان الدين رباني” و” قلب الدين حكمتيار” المتناحرين التوقف عن القتال فيما بينهما، وتوحيد الصفوف في مواجهة العدو المشترك طالبان.

 وفي 26 سبتمبر من عام 1996، ترك حكمتيار ورباني كابول العاصمة، واتَّجها شمالاً وتخَّليا عنها لتقع في يد طالبان التي تسلّمت مقاليد الأمور في العاصمة، وأنشأت إمارة أفغانستان الإسلامية.

ها هو السيناريو نفسه يتكرر في 15 أغسطس 2021.. يهرب الرئيس” أشرف غني”، وقبله ومعه تهرب القوات الأمريكية ومن تحالف معها من القوات الغربية، ويخيب ظنّ من ساندها، والأكثر من هذا يشفي الله قلوب قوم مؤمنين.

الأمريكان.. الهزيمة والأفاعي

الهزيمة الأمريكية في أفغانستان مرَّة وبشعة على المستوى العسكري والأمني والقيمي والسياسي، وهي أسوأ وأكثر تأثيراً في نتائجها من هزيمة أمريكا في فيتنام عام 1975، علما أن الولايات المتحدة اختارت ما بعد الحرب العالمية الثانية أن تهاجم دولا ضعيفة وأنظمة آلية للسقوط، وأن تكون الحرب خارج أرضها، وفي أغلب حروبها تلك فشلت.

 لقد دفع الأفغان ثمناً باهظا لاسترجاع حريتهم، واسقاط نظام هو من نتاج الغرب، لكن أيضا ولأول مرة في العصر الحديث يسترجع شعبا استقلاله من قوتين كبيرتين في وقت وجيز، الأولى خلال 15 عاما من الاتحاد السوفياتي، والثانية في أقل من عقدين، بالرغم من وجود اختلاف بينه على أساس طائفي وعرقي ومذهبي.

لقد ورثت طالبان من المجاهدين الأفغان نبْل المقاصد، لكنها كانت أكثر وعياً منهم في فهم الواقع الدولي والمحلي، فهي لم تتعلق بأوهام مثل تلك التي تعلق بها بعض المجاهدين، حين غرهم النصر، فاعتقدوا أن الأفاعي تقاتل معهم ضد الروس حين تلدغهم، غير مدركين أن ذاك نتاج الاستخبارات الأمريكية حين دربت الأفاعي على التعرف على مخابئ الجنود الروس من خلال رائحة” الفودكا”، التي كان يشربونها، في تلك المناطق الثلجية الباردة.

ريغان وبوذا.. والقرضاوي

كما أن طالبان لم تعتقد يوما أن الأمريكان أو غيرهم من أمم الدنيا ستحاربها فقط لأنها ضد الديمقراطية، وإنما لأن لها مبادئ ومواقف ثابتة، لذلك لم تقع في أخطاء كتلك التي وقع فيها بعض المجاهدين حين أستقبلهم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان منهم في البيت الأبيض.

لقد كان الرئيس ريغان مهووساً بالحروب، بدليل أنه سخّر إمكانيات أميركا العسكرية والاستخباراتية والمالية الهائلة لدعم “كل أنواع المجاهدين” في أفغانستان، بهدف إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفياتي وكسر شوكته.

 وقد بلغ حماسه تجاه “المجاهدين” ذروته حين استقبل قياداتهم في البيت الأبيض في العام 1985، وفرش لهم السجاد الأحمر، وأطلق عبارته الرومانسية بحقّهم، والتي شبِّههم فيها أخلاقياً بالآباء المؤسسين لأميركا، مما جعل بعضهم يعتقد في قابليته للإسلام، فدعاه إليه، ولكن ريغان ـ حسب ما ذكر بعض المصادر ـ رد بالقول:” نحن وأنتم أهل كتاب، علينا الآن محاربة عدونا المشترك الاتحاد السوفياتي الملحد”.

لقد قامت الولايات المتحدة مع دول أخرى متحالفة معها في أكتوبر 2001 بغزو أفغانستان لرفض حركة طالبان تسليم أسامة بن لادن، وقامت قوات تحالف الشمال بخوض المعارك البرية، وتم استبعاد حركة طالبان من دفة الحكم على خلفية موقفها الأخلاقي والمبدئي ـ على الأقل في نظرها ـ هذا في وقت رأى العرب أن الأفضل إليها تسليم بن لادن، وهذا يعدُّ أمراً طبيعيّاً في السياق العام، فقد سلمنا العراق، وسوريا وليبيا، واليوم نحاول تسليم ما بقي من فلسطين بدون مساومة.

والواقع أن مسألة التسليم لدينا لا تتعلق بالأفراد والأنظمة والأوطان، وإنما بالقيم أيضا، بما في ذلك المتعلقة بالدين، أتذكرون يوم أن ذهب د. ” يوسف القرضاوي” ضمن وفد يترجّى طالبان عدم نسف تمثال بوذا؟ ماذا كان رد الحركة؟.. لقد تساءلت يومها: إن كان عدم تحطيم تمثال بوذا عمل يتناقض مع العقيدة؟!.. فبهت هو ومن معه.

العرب.. ووراثة العداوة

اليوم، وبعد عودة طالبان، نجد أنفسنا” نحن عرب الزمان”، قد ورثنا عدوات من أطراف عدة، إذ أبلغي صحفي روسي ـ مراسلا متجول في المشرق والخليج ـ أن روسيا ترى في دول عربية بعينها عدوها الأول، لأنها كانت الداعم الأول للمجاهدين الأفغان، ولأنها أيضا دعمت المسلمين الشيشان.

 من ناحية أخرى فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تثق في العرب جميعهم، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مهما قدموا من فروض الطاعة، ما داموا مُسلمين، وعرباً، وهذا يكفي على أن يصنفوا ضمن دائرة الأعداء، والمسلمين غير العرب، إما يحاربوننا مثل: إيران وتركيا، أو يشكونا في صدقيتنا مثل: باكستان وأفغانستان.

لذلك كله أصبح من الضروري على عرب الزمان، أن يعيدوا النظر في أمرين، الأول: علاقتهم بدينهم عبر ثلاث مساقات، الشعوب، والمؤسسات الرسمية، والأحزاب الدينية، والأمر الثاني: علاقتهم بالمسلمين غير العرب، ليس فقط في أفغانستان وباكستان، وإنما في الهند وماليزيا وإندونيسيا والصين، ومع كل الأقليات المسلمة في العالم، ناهيك عن تركيا وإيران.

ليدرك” عرب الزمان” أن عودة طالبان يتطلب ـ كما ذكرت سابقا ــ إعادة ترتيب علاقتنا بالدول والشعوب المسلمة، وهذا ليس دور منظمة المؤتمر الإسلامي فقط، ولكنه دور كل مسلم يؤمن بالله ورسوله والدار الآخرة.

إذن، لنًنصر إخواننا في كل مكان بدعمهم، ولننتصر لهم بمنعهم من الاقتتال، دون أن يضيِّع ذلك من حق أوطاننا، ولنفكِّك تبعات الخصومات والعدوات التاريخية مع الآخرين، وهي بالأساس نابعة من عدوات بيننا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى